575

يعني تعالى ذكره بذلك: { ذلك بأن الذين كفروا } صدقوا الله ورسوله، { لا تبطلوا صدقتكم } ، يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله { رئاء الناس } ، وهو مراآته إياهم بعمله وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه وهو مريد به غير الله ولا طالب منه الثواب وإنما ينفقه كذلك ظاهرا ليحمده الناس عليه فيقولوا: هو سخي كريم، وهو رجل صالح، فيحسنوا عليه به الثناء وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر. وأما قوله: { ولا يؤمن بالله واليوم الاخر } فإن معناه: ولا يصدق بواحدنية الله وربوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده. وهذه صفة المنافق وإنما قلنا إنه منافق، لأن المظهر كفره والمعلن شركه معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا، لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنا كفره لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيا بأعماله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبو هانىء الخولاني، عن عمرو بن حريث، قال: إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزني، ولا يغل، لا يرجع بالكفاف فقيل له: لم ذاك؟ قال: فإن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه سب ولعن إمامه، ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدا! فهذا عليه، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها من وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: { حليم يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } حتى ختم الآية. القول في تأويل قوله تعالى: { فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما كسبوا والله لا يهدي القوم }. يعني تعالى ذكره بذلك: فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر. والهاء في قوله: { فمثله } عائدة على «الذي». { كمثل صفوان } والصفوان واحد وجمع، فمن جعله جمعا فالواحدة صفوانة بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدا جمعه صفوان وصفي وصفي، كما قال الشاعر:

مواقع الطير على الصفي

والصفوان هو الصفا، وهي الحجارة الملس. وقوله: { عليه تراب } يعني على الصفوان تراب، { فأصابه } يعني أصاب الصفوان، { وابل }: وهو المطر الشديد العظيم، كما قال امرؤ القيس:

ساعة ثم انتحاها وابل

ساقط الأكناف واه منهمر

يقال منه: وبلت السماء فهي تبل وبلا، وقد وبلت الأرض فهي توبل. وقوله: { فتركه صلدا } يقول: فترك الوابل الصفوان صلدا والصلد من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره، وهو من الأرضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرؤوس، كما قال رؤبة:

لما رأتني خلق المموه

براق أصلاد الجبين الأجله

ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي: قدر صلود، وقد صلدت تصلد صلودا، ومنه قول تأبط شرا:

ولست بجلب جلب ليل وقرة

অজানা পৃষ্ঠা