তাফসির আল-তাবারি
جامع البيان في تفسير القرآن
فأوجب الكفارة بإتيان الحالف ما حلف أن لا يأتيه مع وجوب إتيان الذي هو خير من الذي حلف عليه أن لا يأتيه، وكانت الغرامة في المال أو إلزام الجزاء من المجزي أبدان الجازين، لا شك عقوبة كبعض العقوبات التي جعلها الله تعالى ذكره نكالا لخلقه فيما تعدوا من حدوده، وإن كان يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه كان بينا أن من ألزم الكفارة في عاجل دنياه فيما حلف به من الأيمان فحنث فيه، وإن كانت كفارة لذنبه فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها، وإن كان ما عجل من عقوبته إياه على ذلك مسقطا عنه عقوبته في آجله. وإذ كان تعالى ذكره قد واخذه بها، فغير جائز لقائل أن يقول: وقد واخذه بها هي من اللغو الذي لا يؤاخذ به قائله، فإذ كان ذلك غير جائز، فبين فساد القول الذي روي عن سعيد بن جبير أنه قال: اللغو: الحلف على المعصية، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن على الحالف، على معصية الله كفارة بحنثه في يمينه، وفي إيجاب سعيد عليه الكفارة دليل واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ لما وصفنا: من أن من لزمه الكفارة في يمينه فليس ممن لم يؤاخذ بها.
فإذا كان اللغو هو ما وصفنا مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به، وكل يمين لزمت صاحبها بحنثه فيها الكفارة في العاجل، أو أوعد الله تعالى ذكره صاحبها العقوبة عليها في الآجل، وإن كان وضع عنه كفارتها في العاجل، فهي مما كسبته قلوب الحالفين، وتعمدت فيه الإثم نفوس المقسمين، وما عدا ذلك فهو اللغو وقد بينا وجوهه. فتأويل الكلام إذا: لا تجعلوا الله أيها المؤمنون عرضة لأيمانكم، وحجة لأنفسكم في أقسامكم في أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس، فإن الله لا يؤاخذكم بما لغته ألسنتكم من أيمانكم، فنطقت به من قبيح الأيمان وذميمها، على غير تعمدكم الإثم وقصدكم بعزائم صدوركم إلى إيجاب عقد الأيمان التي حلفتم بها، ولكنه إنما يؤاخذكم بما تعمدتم فيه عقد اليمين وإيجابها على أنفسكم، وعزمتم على الإتمام على ما حلفتم عليه بقصد منكم وإرادة، فيلزمكم حينئذ إما كفارة في العاجل، وإما عقوبة في الآجل. القول في تأويل قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }. اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أوعد الله تعالى ذكره بقوله: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } عباده أنه مؤاخذهم به بعد إجماع جميعهم على أن معنى قوله: { بما كسبت قلوبكم } ما تعمدت. فقال بعضهم: المعنى الذي أوعد الله عباده مؤاخذتهم به هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: إذا حلف الرجل على اليمين وهو يرى أنه صادق وهو كاذب، فلا يؤاخذ بها، وإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي يؤاخذ به. حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا حسين الجعفي عن زائدة، عن منصور، قال: قال إبراهيم: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } قال: أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي يؤاخذ به. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أن تحلف وأنت كاذب. حدثني المثنى، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
[المائدة: 89] وذلك اليمين الصبر الكاذبة، يحلف بها الرجل على ظلم أو قطيعة. فتلك لا كفارة لها إلا أن يترك ذلك الظلم، أو يرد ذلك المال إلى أهله، وهو قوله تعالى ذكره:
إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
[آل عمران: 77] إلى قوله:
ولهم عذاب أليم
[آل عمران: 77].
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ما عقدت عليه. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن حميد، قال : ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء قال: لا تؤاخذ حتى تقصد الأمر ثم تحلف عليه بالله الذي لا إله إلا هو فتعقد عليه يمينك. والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } في الآخرة بما شاء من العقوبات، وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو. وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوا. فأما ما كسبته القلوب، وعقدت فيه على الإثم، فلم يكن يوجب فيه الكفارة. وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل. وإذ كان ذلك تأويل الآية عندهم، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم، واحفظوا أيمانكم. وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفا. وقال آخرون: المعنى الذي أوعد الله تعالى عباده المؤاخذة به بهذه الآية هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا، وفي ذلك أوجب الله عندهم الكفارة دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطىء في حلفه يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف وليس ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } يقول: بما تعمدت قلوبكم، وما تعمدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله سواء. وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا تأويل مؤاخذة الله عبده على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة، إلى أنها مؤاخذة منه له بها بإلزامه الكفارة فيه. وقال بنحو قول قتادة جماعة أخر في إيجاب الكفارة على الحالف اليمين الفاجرة، منهم عطاء والحكم. حدثنا أبو كريب ويعقوب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء والحكم أنهما كانا يقولان فيمن حلف كاذبا متعمدا: يكفر. وقال آخرون: بل ذلك معنيان: أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارة منه، والآخر منهما مؤاخذ به في الآخرة، إلا أن يعفو.
ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أما ما كسبت قلوبكم: فما عقدت قلوبكم، فالرجل يحلف على اليمين يعلم أنها كاذبة إرادة أن يقضي أمره. والأيمان ثلاثة: اللغو، والعمد، والغموس، والرجل يحلف على اليمين وهو يريد أن يفعل ثم يرى خيرا من ذلك، فهذه اليمين التي قال الله تعالى ذكره:
অজানা পৃষ্ঠা