390

فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم

[التوبة: 5] إلى:

إن الله غفور رحيم

[التوبة: 102]. وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء والذراري. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن صدقة الدمشقي، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: كتبت إلى عمر بن العزيز أسأله عن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } قال: فكتب إلي أن ذلك في النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بقتال الكفار. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم. حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: إني وجدت آية في كتاب الله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } أي لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني النساء والصبيان والرهبان.

وأولى هذين القولين بالصواب، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد. وقد دللنا على معنى النسخ والمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بما قد أغنى عن إعادته في هذه الموضع. فتأويل الآية إذا كان الأمر على ما وصفنا: وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله وسبيله: طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده. يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي، وعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من ولى عنه، واستكبر بالأيدي والألسن، حتى ينيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صغارا إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا، فذلك معنى قوله: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } لأنه أباح الكف عمن كف، فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارا. فمعنى قوله: { ولا تعتدوا } لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس، { إن الله لا يحب المعتدين } الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم.

[2.191]

يعني تعالى ذكره: واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله: { حيث ثقفتموهم } ومعنى الثقفة بالأمر: الحذق به والبصر، يقال: إنه لثقف لقف إذا كان جيد الحذر في القتال بصيرا بمواقع القتل. وأما التثقيف فمعنى غير هذا وهو التقويم فمعنى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم. وأما قوله: { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم وقد أخرجوكم من دياركم من مساكنكم وديارهم كما أخرجوكم منها. القول في تأويل قوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل }. يعني تعالى ذكره بقوله: { والفتنة أشد من القتل } والشرك بالله أشد من القتل. وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيما على دينه متمسكا عليه محقا فيه. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { والفتنة أشد من القتل } قال: ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من القتل. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { والفتنة أشد من القتل } يقول: الشرك أشد من القتل. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { والفتنة أشد من القتل } يقول: الشرك أشد من القتل. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { والفتنة أشد من القتل } قال: الشرك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: { والفتنة أشد من القتل } قال: الفتنة: الشرك. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: { والفتنة أشد من القتل } قال: الشرك أشد من القتل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله جل ذكره: { والفتنة أشد من القتل } قال: فتنة الكفر. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين }. والقراء مختلفة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } بمعنى: ولا تبتدئوا أيها المؤمنون المشركين بالقتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوكم به، فإن بدءوكم به هنالك عند المسجد الحرام في الحرم فاقتلوهم، فإن الله جعل ثواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة القتل في الدنيا والخزي الطويل في الآخرة.

كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } كانوا لا يقاتلون فيه حتى يبدءوا بالقتال. ثم نسخ بعد ذلك فقال:

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة

[البقرة: 193] حتى لا يكون شرك

অজানা পৃষ্ঠা