1168

أن يقسم

اثنان ذوا عدل منكم

إن كانا ائتمنا على ما قال، فارتيب بهما، أو ائتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما. وذلك أن الله تعالى لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين، قال: { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما }. ومعلوم أن أولياء الميت المدعين قبل اللذين ظهر على خيانتهما، غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعى عليه لمدع، لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه، ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان. فإذا كان معلوما أن قوله: { لشهادتنا أحق من شهادتهما } إنما معناه: قسمنا أحق من قسمهما، وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله: { أحق من شهادتهما } صح أن معنى قوله: { شهادة بينكم } بمعنى الشهادة في قوله: { لشهادتنا أحق من شهادتهما } وأنها بمعنى القسم. واختلفت القراء في قراءة قوله: { من الذين استحق عليهم الأوليان } فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام: «من الذين استحق عليهم الأوليان» بضم التاء. وروي عن علي وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: { من الذين استحق عليهم } بفتح التاء. واختلفت أيضا في قراءة قوله: { الأوليان } فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشام والبصرة: { الأوليان } ، وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «من الذين استحق عليهم الأولان». وأولى القراءتين بالصواب في قوله: «من الذين استحق عليهم» قراءة من قرأ بضم التاء، لإجماع الحجة من القراء عليه، مع مساعدة عامة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحق الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت. وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: { شهادة بينكم } أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان، فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين.

وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى: فآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحق على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رويت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: { من الذين استحق } بفتح التاء على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القراء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن وكريب عن علي، أنه كان يقرأ: «من الذين استحق عليهم الأوليان». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن وائل مولى أبي عبيد، عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عن أبي بن كعب، أنه كان يقرأ: «من الذين استحق عليهم الأوليان». وأما أولى القراءات بالصواب في قوله: { الأوليان } عندي، فقراءة من قرأ: { الأوليان } بصحة معناها وذلك لأن معنى: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله:

شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان

ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال:

فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا

فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به: لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله: { فإن عثر على أنهما استحقا إثما }. وأما الذين قرءوا ذلك «الأولين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعا وخفضا، إذ كان «الذين» مخفوضا. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أول إذا كان له آخر هو له أول، وليس للذين استحق عليهم الإثم آخرهم له أول، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثما قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرا أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أولين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.

وأما القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة عن قراءة الحجة من القراء شاذة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بعدها من الصواب. واختلف أهل العربية في الرافع لقوله: { الأوليان } إذا قرىء كذلك، فقال بعض نحويي البصرة: يزعم أنه رفع ذلك بدلا من «آخران» في قوله: { فآخران يقومان مقامهما } وقال: إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة، لأنه حين قال: { يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم } كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى، فقال: «الأوليان»، فأجرى المعرفة عليهما بدلا. قال: ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز:

علي يوم يملك الأمورا

অজানা পৃষ্ঠা