1025

إلى القبائل من قتل وإبآس

القول في تأويل قوله تعالى: { شنآن قوم }. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { شنآن } بتحريك الشين والنون إلى الفتح، بمعنى: بغض قوم توجيها منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على فعلان نظير الطيران، والنسلان، والعسلان، والرملان. وقرأ ذلك آخرون: { شنآن قوم } بتسكين النون وفتح الشين، بمعنى الاسم توجيها منهم معناه إلى: لا يحملنكم بغض قوم، فيخرج شنآن على تقدير فعلان، لأن فعل منه على فعل، كما يقال: سكران من سكر، وعطشان من عطش، وما أشبه ذلك من الأسماء. والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ: { شنآن } بفتح النون محركة، لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه: بغض قوم، وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم.

وإذ كان ذلك موجها إلى معنى المصدر، فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على الفعلان بفتح الفاء تحريك ثانيه دون تسكينه، كما وصفت من قولهم: الدرجان، والرملان من درج ورمل، فكذلك الشنآن من شنئه أشنؤه شنآنا. ومن العرب من يقول: شنان على تقدير فعال، ولا أعلم قارئا قرأ ذلك كذلك، ومن ذلك قول الشاعر:

وما العيش إلا ما يلذ ويشتهى

وإن لام فيه ذو الشنان وفندا

وهذا في لغة من ترك الهمز من الشنآن، فصار على تقدير فعال وهو في الأصل فعلان. ذكر من قال من أهل التأويل: { شنآن قوم }: بغض قوم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم }: لا يحملنكم بغض قوم. وحدثني به المثنى مرة أخرى بإسناده، عن ابن عباس، فقال: لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولا يجرمنكم شنآن قوم }: لا يجرمنكم بغض قوم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم } قال: بغضاؤهم أن تعتدوا. القول في تأويل قوله تعالى: أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفيين: { أن صدوكم } بفتح الألف من «أن» بمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وكان بعض قراء الحجاز والبصرة يقرأ ذلك: { ولا يجرمنكم شنآن قوم إن يصدوئكم } بكسر الألف من «إن» بمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدا عن المسجد الحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: { إن يصدوكم } فقرءوا ذلك كذلك اعتبارا بقراءته. والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قراءة الأمصار، صحيح معنى كل واحدة منهما. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صد عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية، وأنزلت عليه سورة المائدة بعد ذلك. فمن قرأ: { أن صدوكم } بفتح الألف من «أن» فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام، أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: { إن صدوكم } بكسر الألف، فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة قد حاولوا صدهم عن المسجد الحرام فتقدم الله إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صدوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصادين.

غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتح الألف أبين معنى، لأن هذه السورة لا تدافع بين أهل العلم في أنها نزلت بعد يوم الحديبية. وإذ كان ذلك كذلك، فالصد قد كان تقدم من المشركين، فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادين من أجل صدهم إياهم عن المسجد الحرام، وأما قوله: أن تعتدوا فإنه يعني: أن تجاوزا الحد الذي حده الله لكم في أمرهم. فتأويل الآية إذن: ولا يحملنكم بغض قوم لأن صدوكم عن المسجد الحرام أيها المؤمنون أن تعتدوا حكم الله فيهم فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن الزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم. وذكر أنها نزلت في النهي عن الطلب بذحول الجاهلية. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { أن تعتدوا } رجل مؤمن من حلفاء محمد، قتل حليفا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة، لأنه كان يقتل حلفاء محمد، فقال محمد صلى الله عليه وسلم:

" لعن الله من قتل بذحل الجاهلية "

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: هذا منسوخ. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا } قال: بغضاؤهم، حتى تأتوا ما لا يحل لكم. وقرأ { أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } وتعاونوا، وقال: هذا كله قد نسخ، نسخه الجهاد. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد: إنه غير منسوخ لاحتماله أن تعتدوا الحق فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك، لم يجزأن يقال: هو منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها. القول في تأويل قوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }. يعني جل ثناؤه بقوله: { وتعاونوا على البر والتقوى } وليعن بعضكم أيها المؤمنون بعضا على البر، وهو العمل بما أمر الله بالعمل به { والتقوى }: هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه. وقوله: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } يعني: ولا يعن بعضكم بعضا على الإثم، يعني: على ترك ما أمركم الله بفعله. { والعدوان } يقول: ولا على أن تتجاوزا ما حد الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم. وإنما معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، ولكن ليعن بعضكم بعضا بالأمر بالانتهاء إلى ما حده الله لكم في القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم، والانتهاء عما نهاكم الله أن تأتوا فيهم وفي غيرهم وفي سائر ما نهاكم عنه، ولا يعن بعضكم بعضا على خلاف ذلك.

وبما قلنا في البر والتقوى قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { وتعاونوا على البر والتقوى } البر: ما أمرت به، والتقوى: ما نهيت عنه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { وتعاونوا على البر والتقوى } قال: البر: ما أمرت به، والتقوى: ما نهيت عنه. القول في تأويل قوله تعالى: { واتقوا الله إن الله شديد العقاب }. وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهديد لمن اعتدى حده وتجاوز أمره. يقول عز ذكره: { واتقوا الله } يعني: واحذروا الله أيها المؤمنون أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حده فيما حد لكم وخالفتم أمره فيما أمركم به أو نهيه فيما نهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه وتستحقوا أليم عذابه ثم وصف عقابه بالشدة، فقال عز ذكره: إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من خلقه، لأنها نار لا يطفأ حرها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهبها. نعوذ بالله منها ومن عمل يقربنا منها.

অজানা পৃষ্ঠা