أما فيما يتعلق بالسلوك البشري فإن هذا المذهب يرى أن الفاعل حين يسلك سلوكا معينا مثل «أ»، فإنه لا يكون مقيدا في فعله هذا بأي شيء داخليا كان أم خارجيا، فهو لا يسلك سلوكه هذا ويفعل الفعل «أ» لأنه يحقق أعلى رغبة من رغباته، ولا لأنه يجلب أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس، ولا لأنه صادر عن سلطة الواجب الداخلية، ولهذا فهو يختاره ويفضله على جميع الأفعال الأخرى، وهو ليس مقيدا في فعله هذا بتركيبه الجسمي أو العقلي، أو الوراثة، أو البيئة التي نشأ فيها. إنه باختصار شديد يفعل الفعل «أ» بلا سبب، فليست هناك مقدمات من أي نوع تضطره أن يفعل «أ» ويستبعد البدائل الأخرى، فهو لا يرتبط بغاية تغريه بهذا السلوك، ولا بمقدمات تضطره إليه. إن فعله هو ببساطة وبوضوح: مجرد صدفة.
ونحن نرفض مثل هذه اللاجبرية الخالصة، أو حرية اللامبالاة وعدم الاكتراث؛ لأنها تعني ببساطة العشوائية، التي هي سلب للعقل والقانون، فكل شيء عند هذا المذهب ممكن ولا شيء مستحيلا. ولن يكون هناك شيء مؤكد في حياة الإنسان لأن الرجل الفاضل قد ينقلب فجأة إلى رجل سيئ السلوك، ومن ثم فكل محاولات المربي تصبح بغير جدوى. (2) إذا كانت الحرية لفظا خاصا يعني - بمعنى من معانيه - انعدام القيود، فإن الحرية المطلقة لا بد أن تعني أن تكون حرا من جميع القيود؛ أن تتحرر من الأشياء الخارجية ومن الطبيعة، ومن الناس من حولك، ومن القانون، ومن العقل، ومن الوراثة. لكنك من ناحية أخرى: «لو تحررت من كل شيء لكان معنى ذلك أنك لا شيء؛ فاللاشيء أو العدم هو وحده الحر حرية مطلقة: الحرية المطلقة هي العدم المجرد، ومن هنا فإذا كان الإنسان بالموت يتوقف عن أن يكون شيئا، فإنه - بالموت أيضا - يكون لأول مرة حرا حرية مطلقة لأنه سيصبح لا شيء.»
2 (3) إنه لمن الخطأ أن نظن أن المذهب اللاجبري يجعل المسئولية الخلقية واضحة بنتائجها في الثواب والعقاب؛ إذ الواقع أنه لا شيء يهدم المسئولية الخلقية كما تهدمها حرية اللامبالاة. «إن ما يطلبه دعاة الحرية عادة من حيث الأساس هو «القدرة على الفعل بطريقة أخرى» وهو في نفس الوقت أن يفعل أو يقوم بالفعل وأيضا ألا يفعل، وذلك إنكار - لا قبول - للمسئولية، أعني تكيف الذات بكيف عن طريق سلوكها. إنه يقدم ما يتظاهر بالسؤال عنه، وهو أن الفعل الذي سيقدم عليه سيكون فعله هو وسيكون ذاته نفسها. وهو يهرب من مطلبه في اللحظة التي يواجه فيها معناه، في كل فعل بل حتى في لحظة أداء الفعل فإن عليه أن يكون كما لو لم يفعل شيئا ولا قام بفعل شيء، فهو غير ملتزم وغير متطور. قد يقال لكنه «غير ملتزم قبل الفعل لا بعده» لكن ذلك ليس إلا مراوغة وتملصات. فلو أنه كان غير ملتزم بعدة آلاف من الأفعال، وقبل الفعل الواحد بعد الألف فهو غير ملتزم على الأقل بعد الفعل الواحد بعد الألف. إن وجهة نظر هذا المذهب ليست هي أن الفعل يصف الذات بسمة معينة، بل هي بالأحرى أن الفعل لا يصف الذات بأية صفة.»
3
إن اللاجبرية المطلقة تعني أن فعلي في لحظة معينة لا يرتبط على الإطلاق بما حدث أو بما وجد في اللحظة الماضية أو لحظات الزمان؛ لأنه لو كانت هناك مثل هذه الرابطة بين الماضي والحاضر لكان معنى ذلك أن الفعل - كليا أو جزئيا - محدد بالمقدم. لكن القول بأني في كل لحظة شخص جديد تماما تصدر عني أفعال في استقلال عن ماض يؤدي إلى هدم الهوية الذاتية، ويعفيني بالتالي من المسئولية.
إن الهوية لا تعني شيئا ما لم تعن التشابه الذاتي مع الاختلاف في آن معا، وما لم نتصور الفاعل على أنه تشابه ذاتي «أو نفس الشخص» مع اختلافات في عرض هذه الشخصية فإننا لن نستطيع أن نحمل عليه أية صفة. يقول برادلي في هذا المعنى: «إن اسم شخص ما هو اسم لفرد معين يبقى موجودا وسط التغيرات الجزئية».
4
فوجود الفاعل لا يعني مجرد تتابع لحظات جزئية، لكنه يعني هوية تجاوز هذه اللحظات الجزئية. «لأنه ما لم يكن الشخص متميزا فسوف يصعب أن يكون له اسم خاص يعتمد على بقائه هو نفسه وسط التغيرات، ونحن لا نستطيع أن ندرك شيئا ما لم تكن له خاصية معينة أو مجموعة من الخصائص نستطيع من وقت لآخر أن نوحد بينها، فالفرد يبقى هو نفسه وسط تغير الظاهر ، وهذا يعني أن له هوية حقيقية.»
5
والفيلسوف اللاجبري حين ينكر وجود أي ارتباط بين الماضي والحاضر فإنه بذلك ينكر دوام التشابه الذاتي للفاعل، وهو بالتالي يلغي الهوية ومعها - بالطبع - المسئولية؛ ذلك لأن وجود الهوية مرتبط بالمسئولية، لأنك حين تقول عن شخص ما إنه مسئول عن أفعاله، فإنك تعني أنه يظل في هوية مع نفسه في الماضي والحاضر، وإذا ما بقي الفرد في هوية مع نفسه في لحظتين مختلفتين - إذا كان غدا هو نفسه بهويته الحاضرة - فلا شك أن هناك ارتباطا بين الماضي والمستقبل، أي إنه سيكون مقيدا في سلوكه غدا بما هو عليه الآن. ومن هنا فإن مذهب اللاجبرية الخالصة يتناقض مع المسئولية الخلقية، لأنه ما لم يكن هناك ارتباط بين اللحظات المتتالية في حياة الإنسان، فسيكون من الخلف أن تنسب إليه مسئولية خلقية في لحظة ما عما فعله في لحظة سابقة: «إن الشرط الأول لإمكان أن أكون مذنبا أو غير مذنب، أعني أن أصبح موضوعا لحكم أخلاقي، هو التشابه الذاتي: أن أكون أنا نفسي باستمرار شخصا واحدا في هوية ذاتية مع نفسي.»
অজানা পৃষ্ঠা