1265
نصرانية تسأل: لم لا يجوز تزوج المسلمة بالكتابي ويجوز العكس؟
[السُّؤَالُ]
ـ[من زوجتي المسيحية: لماذا لا يحل للمرأة المسلمة الزواج من أهل الكتاب - المسيحيين واليهود - بينما هو محلَّل للرجل المسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من أسماء الله تعالى التي نؤمن بها، ولا نظن أن أحدا ممن يعتقد أن له ربا يشك فيها، أنه سبحانه الحكيم، وبهذا أثنت عليه الملائكة المكرمون، لما علموا حكمته في أمره لهم بالسجود لآدم: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة/٣٢ وبهذا - أيضا - شهد لنفسه سبحانه، وشهدت له ملائكته، وشهد له أهل العلم به سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) آل عمران/١٨.
وبذلك قامت حجته سبحانه على خلقه. قال الله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) الأنعام/١٤٩ ومعلوم - من ذلك - أن الحكيم لا يفعل ما يفعل عبثا، ولا يضع شيئا في غير موضعه، ولا يأمر بأمر إلا وهو أحسن لخلقه من غيره، كما قال سبحانه: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) الزمر/٢٣.
وهذا كما أنه مقتضى اسمه الحكيم، فهو كذلك مقتضى تفرده بالخلق سبحانه، فمنطقي أن من صنع شيئا هو أعلم بما يصلحه ويلائمه من غيره؛ فكيف بالخالق العليم: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/١٤. وأما عن هذه الحكمة التي تسألين عنها، فعلك أيتها السائلة على علم بأن الإسلام هو آخر دين نزل من عند الله تعالى، ولذلك نسخ كل دين سواه، كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة/٣٣. وقال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا) النساء/١٤١.
وقال رسول الله ﷺ: (الإسلام يعلو ولا يُعلَى) رواه الدارقطني وغيره، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (٢٧٧٨)
ومعلوم أن الزوج له القوامة على زوجته، ومقامه من الأسرة أعلى من مقام زوجته، وربما كان هذا العلو دافعا له لإكراه زوجته على ترك دينها واتباع دينه، أو التأثير فيها بغية ذلك، وهو ما لا يرضاه الإسلام.
وسوف يكون ذلك العلو الذي للزوج سببا - أيضا - في اتباع أبناء هذه المرأة لأبيهم على دينه، وهي جناية عظيمة على تلك الذرية، أن تتشأ ولم تهتد إلى دين الله الخاتم.
وهذه الحكمة العظيمة قد ذكرها ربنا ﵎ في سياق تحريم تزويج المسلمات لغير المسلمين فقال تعالى: (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) البقرة/٢٢١.
ثم إن الكتابية حين تتزوج بمسلم، تتزوج برجل يؤمن بنبيها، بل وبسائر أنبياء الله، ولا يكون مسلمًا إلا بهذا، ولا يحل له أن يفرِّق بين أحد منهم، قال تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) البقرة/٢٨٥، في حين أن الكتابي - من يهودي أو نصراني - لا يؤمن بمحمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، فكيف يستوي الأمران لتكون نساء المسلمين عند رجل يكفر بنبيها ولا يؤمن به؟!
على أننا ننبه هنا إلى أن زواج المسلم بالكتابية، وإن كان مباحا في الشرع، لما يرجى من وراءه من المصلحة، وما فيه من التخفيف على العباد، فإنه " مستثقل مذموم " كما قال الإمام مالك ﵀ [تفسير القرطبي ٣/٦٧] .
وبعد، فهذا دعوة هادئة لأهل الكتاب، لعلهم ينتبهون إلى أن الإسلام قد استثنى أهل الكتاب في بعض الأحكام من دون باقي الكفار، فأباح الله تعالى أن نأكل مما يذبحه أهل الكتاب، كما أباح لنا التزوج من نسائهم، تقديرًا لأصل دينهم الذي جاء بالتوحيد، وإكرامًا لرسل تلك الأديان الذين أُمرنا بالإيمان بهم وتعظيمهم، وليُنظر الفرق بين موقف أهل الديانتين اليهودية والنصرانية من نبينا محمد ﷺ وبين موقف ديننا من أنبيائهم.
وأخيرا؛ فإن هذا الحكم ليس غريبا على الأديان الأخرى، ولا شاذا تفرد به الإسلام، لماذا يستغرب بعض الطاعنين في ديننا من منع الإسلام من تزويج نسائنا بغير المسلمين وهم بينهم لا يزوجون بعضهم بعضًا وهم أهل ديانة واحدة؟! فالكاثوليكي لا يستطيع أن يتزوج بامرأة بروتستانتية، وإن تجرأ على ذلك عوقب من قبل الكنيسة، والعكس بالعكس!
وفي قانون الأقباط الأرثوذكس المصري الصادر عام ١٩٣٨م تنص المادة السادسة على أن " اختلاف الدين مانع من الزواج ".
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب

1 / 1264