فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين:
أحدهما: قال إنما أمات الله الصغير، لأنه علم أنه لو بقي لأفسد دين غيره ممن يعلم أنه لولاه لما فسد، ولا يجوز في حكمته أن يبقى من هذه حاله (^١) لأن فساده حينئذ يكون في حكم المضاف إلى الله ولم يعلم في بقاء الذي بلغ وكفر ومات على الكفر مفسدة لغيره وإنما فسد هو باختياره، قال: ولا يلزم على هذا إبقاء إبليس وغيره من شياطين الجن والإنس، لأن الله علم أنهم لا يضلون إلا من كان يضل بنفسه لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
والجواب الثاني: إن الله متفضل على الخلق بخلقه لهم وببعثه لهم وبتكليفه لهم، وله أن يتفضل بالقليل من ذلك والكثير، ولا اعتراض عليه لأن الاعتراض عليه بذلك جهالة (^٢)، فإذا قال الصغير لِمَ لَمْ تُبلِّغني درجة العامل؟ قيل له: لأنك لم تعمل، فإذا قال: لم يعمرني، قيل له: هو متفضل بذلك، والكافر إذا قال أبقاني مع علمه بأني أفسد. قيل له: كان بإمكانك أن تؤمن فلم تفعل، هذا نكتة قوله ومعتمده.
والجواب عن جوابه الأول من وجوه:
أحدها أن يقال: يجب أن يكون كل صغير أماته الله من أولاد الأنبياء وغيرهم إنما ذلك لأن الله علم أنهم لو بقوا لأفسدوا دين غيرهم، وهذا يخالف ما روي أن النبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم لأنه مات وهو ابن شهرين (^٣) وقال النبي ﷺ: "إن أباك لنبي وإن جدك لنبي ولو بقيت لكنت
(^١) في الأصل (الحاله) وما أثبت من - ح-.
(^٢) في الأصل هكذا (ولا اعتراض عليه بذلك جهالة) وما أثبت من - ح-.
(^٣) ذكر ابن حجر أنه اختلف في عمره حين وفاته، فمنهم من قال: هو ابن سبعين يومًا ومنهم من قال: كان ابن ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا. فتح الباري ١٠/ ٥٧٩.