মুসলিমদের প্যাগানিজমে ফিরে যাওয়া: সংস্কারের আগে নির্ণয়
انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح
জনগুলি
بالنسبة إلى القيم الإنسانية منسوبة إلى الإنسان بحسبانه واضعها ومكتشفها، فهل ما نراه من القيم من نوع القيم الأخلاقية التي تحدث عنها الفلاح الفصيح في مصر القديمة، أو أفلاطون في بلاد الإغريق، فهل القيم الأخلاقية الإنسانية لا تتطابق مع القيم الدينية؟
ولو افترضنا وجود «قيم دينية» فعن قيم أي دين نتحدث، قيم البوذية أم الإسلام أم الهندوسية أم المسيحية أم اليهودية ... إلخ؟
في كتابه يجمع الدكتور المسيري كل الأديان في سلة واحدة في مواجهة ما أسماه القيم الإنسانية والقيم الأخلاقية، رغم الاختلافات البينية الشاسعة بين الأديان. بالتدقيق ستجد أنه قد أصاب كبد الحقيقة لأن القيم الإنسانية التي أبدعها الإنسان وطورها حتى يومنا هذا أنكرت العبودية واستنكرتها وحرمتها، ولم تعد تقرر سبي الجواري كما كان في الدين، وإذا كان الدكتور يرفض العلمانية الشاملة لأنها تفصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة، فهل هو مع القيم الإنسانية أم مع القيم الدينية في مثل هذا الموضوع؟ كان عليه أن يعلن اختياره، هل مثلا يقر القيمة الإنسانية في حرية الاعتقاد؟ وهل يرفض القيمة الدينية في الاتجار بالبشر وهتك عرض المغلوب؟ هلا أعلن أن نكاح ملك اليمن هو اغتصاب وعمل أصبح في أيامنا لا يتفق مع الأخلاق وقيم الإنسانية، وأن البشرية هجرته إلى غير رجعة؟
وفي الفصل الثالث من الجزء الأول يرصد المراجعات التي حدثت بشأن مصطلح العلمانية في الشرق والغرب، ثم يضيف قوله: «وهو ما يعطينا الحق في إعادة تعريفه بطريقة نرى أنها أكثر تفسيرية من التعريفات المتناقضة المتداولة الشائعة.»
المشكلة أن الدكتور المسيري كان يقدم نفسه بوصفه «المفكر الإسلامي»، وهو بهذه الصفة يعلم أنه ليس من حق المسلم التحاور مع ثقافته الدينية وثوابتنا القدسية؛ لأنها لو نوقشت ما صارت ثوابت، فإذا لم يكن من حقه التحاور الحر مع تراثه فلماذا يجهد نفسه ويجهدنا معه في البحث عن عيوب الآخرين أصحاب العلمانية الشاملة؟ وما هو العائد الذي سنستفيده من إصلاح المسيري لعلمانية ناس آخرين في بلاد غير بلادنا ولغات غير لغاتنا ومفاهيم غير مفاهيمنا؟ هل ترانا قد أكملنا نقد ما لدينا هدما وبناء وتحليلا وتركيبا، لإظهار العيوب واستكمال القصور المسبب لتخلفنا في ذيل الأمم، حتى نجتهد في تعريف الآخر بعلمانيته التي صنعها بيديه، ناهيك عن نقدها؟!
إن القيم الدينية ليست فعلا على خريطة العلمانية أكانت شاملة أم جزئية، وإلا ما عادت العلمانية علمانية، وإن أصحاب العلمانية الذين أنجزوها قيمة متميزة أثمرت وآتت حصادها على كل لون من العلوم والفنون والكشوف، هي قيمة نسمح للمختلف معها بنقدها دون تكفير واستتابة أياما ثلاثة، يأخذ بها من يريد ويرفضها من يريد وهو آمن، ودون تهديد غير المؤمنين بالعلمانية بالقتل أو تفريقهم عن زوجاتهم، ولم نسمع أن علمانيا أرسل تهديدا بالقتل للمخالفين، ولا طعن أحدهم في عنقه، وإذا كان هذا هو حالنا فهل ترانا نملك الحق في أن نعيد بفكرنا وعقلنا تفسير فكر العالم المتمدن العلماني نيابة عنه؟
إن العلمانية ليست بكل هذه المشقة التي تحتاج إلى تدبيج الكتب لرفضها؛ فهي سلعة لها نتائجها العملية الواضحة أمام عيوننا مطروحة في سوق الفكرة بخيرها وبشرها، من شاء أخذ بها ومن شاء ألا يأخذ بها فلا يأخذ؛ لأنها على الأقل لم ترسل إلى حدود بلادنا جيشا غربيا ينادينا: إما العلمانية وإما الجزية وإما الحرب وما يترتب عليها! والمعنى أن العلمانية كفكرة وإجراءات وقواعد ومؤسسات لها أصحابها الذين صمموها وطوروها عبر سنين من تراكم الخبرة بين الخطأ والصواب؛ لذلك هم الأدرى بمعناها وليس نحن، هم الأدرى بمكوناتها الدقيقة ونحن علينا أن نستمع لصاحبها وهو يشرحها لنا، هكذا جلسنا نستمع لأفلاطون في جمهوريته، ولآينشتاين في نسبيته، ولأحمد زويل في الفيمتو ثانية، وللمعتزلة ومبادئهم الخمسة، فليس من حق المختلف وغير المنتج أن يشرح ويفسر فكر الخصم المنتج، لنقده سلبيا من باب تصغيره وتحقيره وتبخيسه وتنجيسه حتى نجتنبه حرصا على طهارتنا.
إن من يواجه نظرية علمية بجديد يقدمه يجب أن يكون عالما في التخصص ذاته، ومن ينقد نظرية سياسية لا بد أن يملك الفلسفة؛ البديل الأفضل الذي سيعرضه على الناس ، ومن يواجه الفلسفة يواجهها بفلسفة مثيلة أكثر إقناعا، والمذهب الديني يواجه مذهبا دينيا مثله، لذلك فإن مواجهة العلمانية بالدين وقيمه، يعني أنها دين مقدس وهي لست كذلك، فلا هي تملك دورا للعبادة ولا لديها كتاب مقدس ولا حدود لها، ولا تشترط لنفسها أي خطوط حمراء ولا تفرض نفسها على أحد، تقبلها أو ترفضها سواء عندها؛ فهي شأن بشري لا يصح وضعه في مقابل ما هو رباني ثابت له كتابه وقدسيته وأوامره ونواهيه وطقوسه وله خطوطه الحمراء وحدوده التي لا يمكن تجاوزها. إن المقارنة هنا مقارنة باطلة، فالدين هو باب البشرية إلى جنة الرب أو ناره، حسب ميزانه ما بين طاعة وعصيان للتحريم والتحليل الذي تم تعريفه دينيا بدقة ووضوح. بينما ما نمارسه وفق العلمانية من فكر أو عمل أو نشاط فهو مما لا يدخل في ميزان الحسنات والسيئات، فكل اختراع أو فن أو اكتشاف أو نظرية فلسفية، أو إنجاز طبي أو شكل اقتصادي أو سلوك اجتماعي مدني، هو من آليات العلمانية وكله خارج نطاق الدين، لأن إجادة اكتشاف شيء نافع للبشرية بالعقل البشري لا الديني مثلما فعل باستير أو إديسون، فإن ذلك حسب الدين الإسلامي لن يدخلهما الجنة، وفشل علماء بلادنا في المساهمة بأي كشوف حضارية باعتبارهم من أعداء العلمانية لن يدخلهم النار أو لكان كل علماء الغرب الكافر مقرهم في الجنات العلى ينعمون بحضرة الرحمن الفردوسية، ولكان باستير بصحبة داروين وآينشتاين وغيرهما يزفون الآن إلى الحور العين تستقبلهم الملائكة بالدفوف والبيارق.
إن أصحاب القيم الدينية لم يتمكن أحدهم من القضاء على مرض واحد من أمراض البشرية، رغم الطب النبوي والمعجزات الكنسية والظهورات القدسية التي نسمع عنها ولا جدوى لها في واقعنا؛ فهي كالعنقاء والقنطروس ورجل الثلج وأبي رجل مسلوخة، بينما تمكنت قيم العلمانية الإنسانية الوضعية من القضاء على أمراض وبائية فتاكة كانت تطيح بكل المؤمنين من كل لون في إبادات جماعية دون رحمة، أين الطاعون اليوم؟ أو الكوليرا؟ أو السل؟ أو الزهري؟ أو السيلان؟ أو الجمرة الحمراء؟ أو السعال الديكي؟ أو الجدري؟ لذلك من الظلم البين وضلال النتائج إجراء أي مقارنة بين قيم الإنسان وقيم الأديان، هو ظلم لكليهما.
ووفق هذا المعنى يمكننا القول إن الدين نفسه وقيمه يمكن ألا يكون ملزما للحياة المدنية العلمانية اليوم، ليس لخصام بينهما ولكن لأن الزمن قد انتقل نقلة حضارية مختلفة بالمرة، من زمن الأديان إلى زمن العلمانية. فحديث القرآن عن الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ليس ملزما لنا اليوم في ضوء المنجز الحضاري العلماني، فهناك الباجيرو الهمر والمرسيدس والفيراري والطائرة، وإذا استخدمناها لن نرتكب معصية لأن هذه أمور دنيانا ولا علاقة لها بالدين؛ فالدين ليس أكثر مما يدخل في ميزان الأعمال تهيئة للطريق إلى الجنة أو النار، وما عدا ذلك هو شأن عملي حضاري علماني بالكلية.
অজানা পৃষ্ঠা