651

ومما يقتضي منه العجب العجاب أن المعترض ادعى هنا أن الثواب والعقاب من المعنى المتنازع فيه، وهو ناف لحكم العقل رأسا ولا يزال في كل مقام من أمثال هذا المقام المذكور أو لا يقول: هذا مبني على أصلكم الفاسد في الحسن والقبح عقلا كما ذكره آخر الكلام على قوله تعالى: {قد أفلح من زكاها}، وسيأتي إن شاء الله تعالى في خلال الجواب على الثانية من مسألتي التنزل، بل قال بذلك من أول جداله إلى آخره، وانظر ما كتب على قول المؤلف الآتي إن شاء الله تعالى بخلاف المجبرة فإنهم جهلوا بالله...إلخ، فإنه قال: هناك أن قول الزمخشري وما تساوت الاستقامة ..إلخ، انحراف كلي للبناء على أصله الفاسد، أي الحسن والقبح عقلا، وقال: على قول المؤلف فيما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأن من أراد من مملوكه الفساد ..إلخ مبني على أصلكم الفاسد من تحكيمهم العقل في الحسن والقبح ...إلخ، ومثله ما قاله في تكليف ما لا يطاق، وفي مسألة اللطف وغيرهما مما يطول [338] ذكره، فليت شعري هل هذا من صنيع الفضلاء المنصفين، بل هو من صنيع العقلاء المميزيم فإنه لا يخفى على عاقل أن أفعال الباري تعالى ليست في معرض الثواب والعقاب فكيف يقال أن منع إرادته تعالى للفساد ومشيته للضلال، وتكليفه ما لا يطاق........ للنفس مبني على الحسن والقبح العقليين الذين ادعوا أن الثواب والعقاب داخل في ماهيتهما، وهذا ليس صنيع المعترض وحده، بل هو صنيع جمهورهم، نعوذ بالله من غرورهم، ويا عجباه من هؤلاء القوم كيف ساغ عندهم إدخال الثواب والعقاب، والعاجل والآجل في محل النزاع، وهم يعلمون أن منشأ النزاع بين الأشعري والمعتزلي كان في أفعال الباري تعالى، فإنخ لما علم الأشعري أنه يختار إذا قيل له: كيف يجوز من الباري تعالى أن يوجد الكفر من الكافر ثم يعقابه عليه، وكيف دعى العبد إلى الطاعة وأوجد فيه المعصية، ثم وبخه ولامه ...عليه، وكيف يجوز منه تعالى كذا وكذا وكذا، فما انتقل من مذهب المعتزلة إلى المذهب الذي جاء به إلا بعد أن رتب نفي الحسن والقبح حيث لم يجد بدا من ذلك ليصح له أن يقول في الجواب عن ذلك أفعاله حسنة، فإيجاده للكفر في الكافر، ثم تعنيفه وتعذيبه عليه، وهو لا أثر له ...حسن منه عزوجل، وإن مما تستقبحه العقول غاية الاستقباح فهذا هو منشأ النزاع بين أصحابنا وبين الأشعري، فما بال الأشاعرة ومن يحذوا حذوهم جاءوا بالثواب والعقاب والعاجل والآجل حتى كان أفعال العباد هي منشأ المنازعة وهم على علم بنشأ النزاع ما هو ومن له أدنى اطلاع على مذهب الأشاعرة، ومعرفة كلامهم الذي في كتبهم لا ينكر شيئا مما ذكرناه عنهم وهم عن بكرة أبيهم إذ قيل لهم: يلزم النقص لو أنه تعالى فعل القبيح وخلق المعصية في العبد وذمه ولامه وعذبه عليها، ونسبها إليه.

قالوا: لا نقص في أفعاله تعالى نفيا للقبح العقلي، وهذا عين الاعتراف بأنه لا مدخل للثواب والعقاب في المعنى المتنازع فيه، وعين الاعتراف بأنه لا معنى للنقص في الفعل إلا القبيح العقلي كما مر عن إمام الحرمين والعضد وصاحب التلخيص، وعين الاعتراف بأنهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم.

পৃষ্ঠা ৭২৬