تقضي الحقيقة على كل إنسان - أيا كان - أن تغوص يده عندما تحين ساعته إلى ملمس العظام من أي جرح يتكشف عنها، وما تعرف حقيقة الحياة إلا بهذا الاختبار، وبعض الناس يتراجعون خوفا أمام العظم المعرى، والبعض الآخر ينالهم الارتياع، فيرتعشون كالأشباح لا يتقدمون ولا يتأخرون، وهنالك أناس يقتلهم هذا المشهد، فيموتون، ولعلهم أفضل الأحياء، ويمر الحدث على أكثر الناس فيتابعون سيرهم ملفعين بالنسيان، والأجيال تتابع على هذا السبيل نحو الفناء.
وقد قضي على بعض الأشقياء في مثل هذا الموقف ألا ينكصوا على أعقابهم ولا يترددوا، فلا هم ينسون ولا هم يموتون، فإذا ما قدر عليهم أن يصطدموا بكارثة، وما الكوارث إلا كاشفة الحقائق للبصائر، فإنهم يقتحمونها، ويمدون أذرعهم نحوها، فهم كالغائص تحت أطباق اليم يستفزهم نوع من التوله بالغريق، وقد كلح وجهه في قبضة الموت، فيتلمسون موضعه، حتى إذا قبضوا عليه ضموه إلى صدورهم وتحروا عن منبض حياته.
هؤلاء هم الثملون بخمرة الفضول، الطامحون إلى معرفة ما وراء كل مظهر، يقضون عمرهم في الارتياب ومحاولة بلوغ اليقين، فيقفون جهودهم على استكشاف ما في الحياة، كأن الله قد بثهم عليها عيونا وأرصادا، فيرسلون أفكارهم مشحوذة كالسهام، فتقطع أحشاءهم نهشة الفهد الكاسر.
ليس كالفساق من يستولي عليهم مثل هذا الهوس؛ لأنهم يقفون أمام نهر الحياة، فلا يكتفون بالنظر إلى الماء يجري صافيا في مركضه، بل يندفعون أبدا إلى سبر أعماقه ومراسبه، فهم إذا ما خرجوا من مرقص هرعوا إلى المواخير ولما تزل أكفهم ندية من مصافحة يد عذراء قد تكون ارتعشت بين أناملهم، فيطرحون أرديتهم عنهم، ويجلسون إلى مائدة ليكرروا - وهم يقهقهون ضحكا - آخر عبارة نطقوا بها أمام جميلة من فضليات النساء.
أفما كان بوسع هؤلاء الأغرار أن يرفعوا - ببذل بعض دريهمات - الرداء المنسدل كالنقاب على مواضع العفة؟ فما يكون تقديرهم للحياة وهم منها في موقف الممثلين وراء ستائر المسرح الداخلية؟ ومن كهؤلاء الناس يذهب إلى قرارة الأشياء وقد تعود سبرها محتقرا جاحدا؟ أفما سمعتهم ولا بيان لهم إلا التعابير الجافية المتهتكة القذرة، فهم لا يرون الإفصاح عن الحقيقة إلا بها، وما سائر التعابير في عرفهم إلا سخافات وتمويه، فإذا هم قصوا عليك واقعة اكتفوا بالبيان عن إحساسهم منها، فلا يخرج من شفاههم إلا سفيه الكلام، فعبثا تفتش على الروح فيما يقولون؛ لأنهم لا يتلفظون إلا بالحرف المميت، فإذا أراد أحدهم أن يقول: لقد أحبتني هذه المرأة، قال: تمتعت بوصال هذه المرأة؛ فهو لا يقول: أحب، بل يقول: أشتهي، وبدلا من قوله: إن شاء الله، يقول: إن شئت أنا.
ويعلم الله ما يدور في خلد هؤلاء الناس، وبماذا يناجون أنفسهم.
ومن كانت هذه حاله؛ فلا بدع إذا هو استغرق في الكسل، أو اندفع بحماس الفضول إلى هتك الأستار؛ لأنه بينما يتمرن على تمثل الأمور على أسوأ حالاتها، لا يروق له أن يرى في العالم من يحسن به ظنا، فيعمد إلى سد أذنيه في تكاسله. وهكذا يدع الأب ابنه حرا في ارتياد الأماكن التي تحلو له قائلا: للشبيبة أن تحيا حياتها، غير أن الابن لا يتمالك نفسه عند عودته من التفرس في وجه أخته، وقد انتصبت في مخيلته الوقائع الحيوانية التي تصدمه في كل آن، فيتساءل عما إذا كانت أخته ليست من طينة المرأة التي كان في غرفتها ... ويدور القلق بالفتى، فيرعى أحشاءه الارتياب.
إن سوء الظن الدافع إلى الاستكشاف إنما هو داء وبيل ينشأ من ملامسة الأرجاس، فيدفع بالمبتلين به إلى التجول كالأشباح بين المقابر عاملين على هتك ما تستر لحودها. وما هذه النزعة إلا عذاب أليم يعاقب الله به من ارتموا على مزالق الضلال، فهم يتشوقون أبدا إلى التيقن من تداعي كل ما حولهم إلى الانهيار. ولعل هذه النزعة تملؤهم ارتياعا، ولكنهم مسوقون كرها إلى التحري والتجسس ومنازعة الوقائع أسرارها، فيحنون الرأس على الزوايا كالمعمار يوجهها لتركيز ما يقيمه في خياله، فإذا ما عثروا على دليل يثبت الشر علت شفاههم الرضى، وإذا ساورهم الشك في وجوده مالوا إلى افتراضه والإيمان به، وإذا صدمهم الخير تطلعوا إلى ما وراءه.
إن آية هؤلاء القوم قولهم «من يدري؟» تلك كلمة ألقاها إبليس في وجه السماء وقد أغلقت دونه بابها، ولكم أشقت هذه الكلمة من بني البشر على ممر الأجيال! ولكم جرت من الويلات وأدت إلى مجازر! ولكم ذهبت كالمنجل يقطع أغمار السنابل الخضراء قبل نضوج حبوبها! إن ألوف الأسر قد دفنت تحت أنقاض مساكنها منذ دوت هذه الكلمة بين جدرانها.
من يدري؟ من يدري؟ يا لها من كلمة دنيئة! وخير للناس من أن يتفوهوا بها أن يقتدوا بالأغنام تسير إلى المجزر وهي تقضم الأعشاب مطمئنة على طريق مذابحها، أفليس من يحسن الظن ويحيا مطمئنا خير ممن يصدم الحياة بما يدعوه نباهة وحزما وهو يغذي تفكيره بمبادئ «لاروشفو كولد»؟
অজানা পৃষ্ঠা