إنه يعطيك الحركة والقدرة على الكلام قبل أن تتحرك أو تتكلم لكن محاولة الحركة ومحاولة الكلام سئوال، فهو يجيبه في الحال.
وهكذا هو معنا في القرآن يجيب على التساؤلات، ويوردها بأسلوب جميل لتكون الآيات مبينات.
ثم إن سورة الإسراء نزلت قبل سورة الكهف بسنتين، فكيف يأتي الجواب عن سؤال الروح فيها ولم يأت في سورة الكهف أن هذا دليل على أنه لا سؤال ولا أصل للحكاية من الأساس؟.
ولكن سورة الكهف نزلت كما أنزل سواها للبيان، ولإنذار الإنسان، كما يقول الله في أولها هذا هو سبب الإنزال، إنه الإنذار والتبشير، والبيان للإنسان ليستنير، وهذا هو شأن إنزال بقية السور، وهذا هو سبب إنزال كل القرآن،
وحاشا أن يلجئه الناس إلى الإنزال بما يدور في حياتهم من الأفعال والأقوال، إنه الكبير المتعال. ثم إن دعوى أن إنزال السور كان للإجابة على الأسئلة الثلاثة المذكورة يلغي صفة القرآن بأنه بيان وبرهان، وبصائر للإنسان؛ لأن الإجابة عن السؤال الثالث - وهو الروح - تخلفت ولم يكتمل البيان، ونحن بهذا ننسب العجز إلى الرحمن، سبحانه سبحان؛ إذ لو كان السبب هو الأسئلة الثلاثة لما تخلف البيان عن الكمال؛ لأن المجيب هو الله ذو الجلال، المنزه عن التقصير، والذي هو على كل شيء قدير.
وقبل أن نغادر الموضوع لا بد أن أدعوكم إلى أن نقرأ معا هذا الوصف للقرآن الذي ورد في سورة الإسراء، إنه يدل على أن القرآن كامل بلا مراء:(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراء: 88]. إن هذا دليل على أن الإنزال لآيات القرآن كان متواصلا كامل البيان، تبدأ السورة ولا تتوقف حتى تنتهي؛ ولهذا سميت الآيات والسور قرآنا؛ لأنه مقرون بعضه ببعض بأسلوب مبين، لا بأسلوب المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين.
ولعل هؤلاء المقتسمين مشمولين بما يقوله الله رب العالمين: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا)[الإسراء: 89]. (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) [الكهف: 54].
إن الجدل حول إنزال القرآن عضين، وحول أسباب نزول الذكر المبين، جدال عقيم لا يعني إلا الإساءة إلى الله العليم، والاستهزاء بالقرآن الكريم، والعبث بآيات الذكر الحكيم، فسبحان الله عما يصفون. إنهم لا يقدرون الله حق قدره، ويجعلونه غير خبير إلا بغيره، ومستعينا بهم في تدبير أمره، سبحانه سبحانه الذي لا يخفى عليه ذرة.
وكيف لا وهو يقول: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا(4)الرحمان على العرش استوى(5)له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) [سورة طه:4-7]. بل إنه يخاطب رسوله بقوله: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا)[الكهف: 27].
إن المتلو هو كتاب وهو آيات متوالية، وبينات غير خافية، والتلاوة لا تكون إلا لآيات تفصح بالبينات. لعل هذا يكفي في الاستدلال، وإن أردتم المزيد فلنغادر الجدال إلى البحث السديد، ولنحاول فهم الكلام بقلب رشيد.
অজানা পৃষ্ঠা