ولم يكن سلوك عمرو بن العاص بمصر أقل رفقا من ذلك فقد عرض على المصريين حرية دينية تامة، وعدلا مطلقا واحتراما للأموال وجزية سنوية ثابتة لا تزيد على خمسة عشر فرنكا عن كل رأس بدلا من ضرائب قياصرة الروم الباهظة، فرضي المصريون طائعين شاكرين بهذه الشروط دافعين للجزية سلفا، وقد بالغ العرب في الوقوف عند حد هذه الشروط، والتقيد بها؛ فأحبهم المصريون الذين ذاقوا الأمرين من ظلم عمال قياصرة القسطنطينية النصارى، وأقبلوا على اعتناق دين العرب ولغتهم أيما إقبال.
ونتائج مثل هذه لا تنال بالقوة كما قلت غير مرة، ولم يظفر بمثلها من ملك مصر من الفاتحين قبل العرب.
وللفتوح العربية طابع خاص لا تجد مثله لدى الفاتحين الذين جاءوا بعد العرب، وبيان ذلك أن البرابرة الذين استولوا على العالم الروماني والترك وغيرهم، وإن استطاعوا أن يقيموا دولا عظيمة، لم يؤسسوا حضارة، وكانت غاية جهودهم أن يستفيدوا بمشقة من حضارة الأمم التي قهروها، وعكس ذلك أمر العرب الذين أنشأوا بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها، والذين تمكنوا من اجتذاب أمم كثيرة إلى دينهم ولغتهم فضلا عن حضارتهم الجديدة، واتصلت بالعرب أمم قديمة، كشعوب مصر والهنود، واعتنقت معتقدات العرب وعاداتهم وطبائعهم وفن عمارتهم، واستولت بعد ذلك الدور أمم كثيرة على الأقطار التي فتحها العرب فظل نفوذ العرب فيها ثابتا، ويلوح لنا رسوخ هذا النفوذ إلى الأبد في جميع البقاع الآسيوية والإفريقية التي دخلوها، والتي تمتد من مراكش إلى الهند، والإسپان وحدهم هم الذين استطاعوا أن يتخلصوا من الحضارة العربية، ولكنهم لم يصنعوا هذا إلا ليقعوا في الانحطاط العضال كما يأتي بيانه. (3) خلفاء محمد الأولون
لم يكن عمل محمد حين وفاته في سنة 632م في غير دور التكوين، وكانت ضروب الأخطار تنذر بزواله إلى الأبد، وكانت وحدة بلاد العرب السياسية التي تمت على يده نتيجة الوحدة الدينية التي أنشأها، وكان من الممكن أن تنقضي هذه الوحدة الدينية بانقضاء موجدها.
أجل، استطاع العرب أن يدينوا لرسول من الله، ولكن لم يدل شيء على وجوب نصب خليفة بعده، وهنالك قبائل كثيرة، ضحت بحريتها ونزعت ما فيها من حقد على أي سلطان إجابة لدعوة رسول الله، لم تر أن تخضع لحكم خلفاء لم يحدث عنهم حتى يدعوا ممارسة مثل سلطانه.
شكل 3-7: قطعة أخرى من نقود صلاح الدين.
وكانت هنالك أخطار أخرى أعظم من تلك تهدد بخنق عمل محمد في مهده، فقد ظهر متهوسون كثيرون هزهم ما نال محمد من التوفيق، ورأوا أن يدعوا النبوة أيضا، فاستطاع أحدهم أي يجعل سكان نصف اليمن من أتباعه، ولولا قتل بعض المؤمنين إياه لخسر الإسلام أحسن ولاياته، واقتصر متهوس آخر على إضافة بعض السور إلى القرآن، وبلغ من النفوذ، لزمن معين، ما يقرب من نفوذ الخلفاء الأولين.
إذن، كانت أمام دين محمد عوائق كثيرة اقتحمت بفضل عبقرية أصحابه الذين اختاروا خلفاء لم يفكروا في غير تنفيذ شريعة القرآن واحترامها، ولم يطعهم العرب في الظاهر، بل أطاعوا شريعة ذات مصدر إلهي لم يجادلوا فيه.
شكل 3-8: قطعتان من نقود الملك الكامل ضربتا في أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، وعلى أحد وجهيها اسم الخليفة العباسي ببغداد.
وكان الخلفاء الأولون، وهم أبو بكر (632م-534م) وعمر (634م-644م) وعثمان (644م-655م) وعلي (655م-660م)، من صحابة محمد، وقد اقتدى هؤلاء الخلفاء بمحمد في زهده وبسيط عاداته، فلم يترك أبو بكر حين وفاته غير ثوبه الذي كان يلبسه، وبعيره الذي كان يركبه، ومولاه الذي كان يخدمه، ولم يأخذ من بيت المال في حياته سوى خمسة دراهم مياومة ليعيش بها، وكان عمر يلبس ثوبا مرقعا، وينام على درج المسجد بين المساكين مع اقتسامه هو وجنوده مغانم كثيرة.
অজানা পৃষ্ঠা