গিদা আলবাব

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

প্রকাশক

مؤسسة قرطبة

সংস্করণ

الثانية

প্রকাশনার বছর

১৪১৪ AH

প্রকাশনার স্থান

مصر

সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
ওসমানীয়রা
ـ[غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب]ـ
المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: ١١٨٨هـ)
الناشر: مؤسسة قرطبة - مصر
الطبعة: الثانية، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣م
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب غذاء الألباب قصد به مؤلفه شرح منظومة الآداب نظم الإمام القدوة شمس الدين محمد بن عبد القوي المرداوي
الحنبلي وهي منظومة جليلة القدر في الآداب الشرعية وقد شرحها المؤلف ﵀ شرحا وسطا في عبارة سهلة واضحة.
منهج المؤلف أن يبدأ بشرح ألفاظ المنظومة ثم بعد ذلك يتكلم عن موضوع الأبيات ويورد ما يناسب من الأحكام والأقوال ويسرد بعض الحكايات المتعلقة بالموضوع في أسلوب شائق وممتع.
والكتاب عمدة في موضوع الآداب الشرعية وقد استمد المؤلف شرحه من مصادر متعددة أشار إليها في المقدمة.

অজানা পৃষ্ঠা

[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبِهِ ثِقَتِي وَعَلَيْهِ تَوَكُّلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَخَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْقُوَى وَالْجَوَارِحَ وَالْبَنَانَ، وَشَرَّفَهُ بِمَعْرِفَتِهِ، وَأَهَّلَهُ لِخِدْمَتِهِ، وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانِ، وَاخْتَصَّهُ بِالنَّهْيِ وَالْأَمْرِ، وَالْوِزْرِ وَالْأَجْرِ، وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ، وَمَنَحَهُ الْحِلْمَ وَالْحَزْمَ، وَالْفِكْرَ وَالْفَهْمَ، وَالذِّكْرَ وَالْعِلْمَ، وَالتَّحَقُّقَ وَالْعِرْفَانَ، وَنَحَلَهُ الرِّضَى وَالْغَضَبَ، وَالتَّوَدُّدَ وَالْأَدَبَ، وَالتَّلَطُّفَ وَالْأَرَبَ، وَالرِّقَّةَ وَالْجَشْبَ، وَالرَّاحَةَ وَاللَّغْبَ، وَالتَّذَكُّرَ وَالنِّسْيَانَ. سُبْحَانَهُ مِنْ إلَهٍ خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَأَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَعْطَى وَمَنَعَ، وَخَفَضَ وَرَفَعَ، وَأَتَمَّ الدِّينَ، وَأَعْلَنَ الْبُرْهَانَ. حَدَّ الْحُدُودَ، وَعَمَّ بِالْفَضْلِ الْوُجُودَ، وَبَيَّنَ الْأَحْكَامَ مِنْ مُبَاحٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَمَكْرُوهٍ وَمَنْدُوبٍ، فَانْدَرَجَ فِيهَا الْأَدَبُ الْمَطْلُوبُ، فَفَضَّلَ هَذَا الدِّينَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ، وَلَا وَزِيرَ وَلَا مُشِيرَ وَلَا أَعْوَانَ، بَلْ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ، الْمُنَزَّهُ عَنْ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، فَهُوَ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْحَكِيمُ الدَّيَّانُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَشَهِيدُهُ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، خُلَاصَةُ الْأَكْوَانِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ عَدْنَانَ، الَّذِي أَكْمَلَ خَلْقَهُ، وَعَظَّمَ خُلُقَهُ، وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرَهُ، وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ، وَأَدَّبَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَأَيَّدَهُ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَالْفَضْلِ وَالتَّفْضِيلِ، وَالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالْحِكْمَةِ وَالتَّأْوِيلِ، وَالْحُسْنِ وَالْإِحْسَانِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَشَرِّفْ وَعَظِّمْ وَبَجِّلْ وَكَرِّمْ، وَضَاعِفْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، الْمَنْعُوتِ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ، بِأَعْظَمِ نَعْتٍ وَأَتَمِّ تَفْخِيمٍ، بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فَيَا لَهَا مِنْ مَزِيَّةٍ سَادَ بِهَا عَلَى

1 / 9

الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَنْصَارِهِ وَأَحْزَابِهِ، وَأَصْهَارِهِ وَأَحْبَابِهِ، الْمُتَخَلِّقِينَ بِخُلُقِهِ، وَالْمُتَأَدِّبِينَ بِآدَابِهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ.
الَّذِينَ بَذَلُوا نُفُوسَهُمْ النَّفِيسَةَ فِي إظْهَارِ دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَجَاهَدُوا بِسُمْرِ الْقَنَا وَبِيضِ الظِّبَا مَنْ حَادَ عَنْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَنَشَرُوا السُّنَّةَ وَالْكِتَابَ، وَأَظْهَرُوا الْفُرُوضَ وَالْآدَابَ، بِأَسْلَمِ قَلْبٍ وَأَفْصَحِ لِسَانٍ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمُقَلِّدِيهِمْ، مَا نُقِلَتْ أَخْبَارُهُمْ، وَدُوِّنَتْ آثَارُهُمْ، وَكَرَّ الْجَدِيدَانِ، وَتَعَاقَبَ الْمَلَوَانِ.
(أَمَّا بَعْدُ) فَقَدْ كَانَ سَأَلَنِي بَعْضُ الْإِخْوَانِ، وَالْأَحِبَّةِ وَالْأَخْدَانِ، مِمَّنْ لَهُ فِي الْعِلْمِ رَغْبَةٌ، وَلَدَيْهِ مِنْ خَوْفِ التَّقْصِيرِ رَهْبَةٌ، أَنْ أَشْرَحَ مَنْظُومَةَ الْآدَابِ، نَظْمَ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ الْأَوْحَدِ، وَالْقُدْوَةِ الْفَهَّامَةِ الْأَمْجَدِ، سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ، بَلْ قَسُّ عَصْرِهِ وَسَحْبَانُ أَوَانِهِ، وَمُخْجِلُ الدُّرِّ بِنَظْمِهِ وَالضُّحَى بِبَيَانِهِ، وَالْبَحْرِ بِفَيْضِ عِلْمِهِ وَالْمُزْنِ بِسَيْلِ بَنَانِهِ، الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْمِرْدَاوِيُّ، الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ النَّحْوِيُّ، الْحَنْبَلِيُّ الْأَثَرِيُّ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، شَرْحًا يَحُلُّ مَبَانِيهَا، وَيُظْهِرُ مَعَانِيهَا، وَيَكْشِفُ وُجُوهَ مُخَدَّرَاتِهَا، وَيُوَضِّحُ دَلَائِلَ أَبْيَاتِهَا، وَيَكُونُ لِأَبْنَاءِ زَمَانِنَا فِي مَعْرِفَةِ الْآدَابِ كَالْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى فِي الْفِقْهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ.
فَتَعَلَّلْت بِأَنَّ خَاتِمَةَ الْمُحَقِّقِينَ الشَّيْخَ مُوسَى الْحَجَّاوِيَّ قَدْ شَرَحَهَا، وَقَبْلَهُ أَوْحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ قَدْ أَوْضَحَهَا، فَمَنْ أَنَا حَتَّى أَتَجَرَّأَ عَلَى شَرْحِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَأَدْخُلَ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ بِهَذِهِ الْبُلَالَةِ، وَمَنْ لِي بِاطِّلَاعِ الْمِرْدَاوِيِّ وَتَحْقِيقِ الْحَجَّاوِيِّ؟ وَهَلْ أَنَا حِينَئِذٍ إلَّا كَمَنْ ذَهَبَ إلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ (بُقْرَاطُ) وَ(جَالِينُوسُ) وَقَالَ أَنَا الطَّبِيبُ الْمُدَاوِي.
فَقَالَ السَّائِلُ: أَمَّا شَرْحُ الْمِرْدَاوِيِّ فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ، وَأَمَّا شَرْحُ الْحَجَّاوِيِّ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَحْكَامِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَزْهَدَ، مَعَ حَذْفِهِ لِأَكْثَرِ أَبْيَاتِ الْمَنْظُومَةِ، أَوْ كَثِيرٍ مِنْهَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَعَدَمِ الْغِنَى عَنْهَا. وَنَحْنُ نَقْتَرِحُ عَلَيْك بَسْطَ الْعِبَارَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَضَبْطَ الْإِشَارَةِ فِي الْآثَارِ، لِيَكُونَ مَنْ أَحْرَزَ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الْغَزِيرَةَ، مِنْ الصِّحَّةَ وَالْبَيَانِ، وَالتَّعْلِيلِ وَالدَّلِيلِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَمَنَّيْت الَّذِي إلَى بِضَاعَتِي الْمُزْجَاةِ يَرْغَبُ، وَوَعَدْتُهُ بِذَلِكَ وَالْوَعْدُ عِنْدَ الْحُرِّ دَيْنٌ يُطْلَبُ، وَقُلْت لَا بُدَّ، مِنْ إسْعَافِ هَذَا السَّائِلِ، وَلَوْ بِالتَّطَفُّلِ عَلَى

1 / 10

الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرَّسَائِلِ، وَنَقْلِ الْأَخْبَارِ وَجَمْعِ الْمَسَائِلِ.
فَإِنَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ نَقُولُ كَمَا نَقَلَ النَّاقِلُ: " لَمْ تَدَعْ الْأَوَائِلُ كَلِمَةً لِقَائِلٍ " وَالْمُظْهِرُ فِي زَمَانِنَا الْإِمَامَةَ وَالْعِلْمَ وَالْبَلَاغَةَ وَالْفَهْمَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدْرِ الْأَوَّلِ، مِثْلُ أَنْ يُحَاجِيَ سَحْبَانَ بَاقِلُ، ثُمَّ أَخَذْتُ فِي تَحْصِيلِ الْمَوَادِّ الْمُعِينَةِ، وَالْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَتِينَةِ، وَبَعْدَ الْوَعْدِ بِمُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، شَرَعْت فِي الشَّرْحِ وَالتَّبْيِينِ.
هَذَا مَعَ كَوْنِي فِي بَلْدَةٍ قَفْرٍ أَرْجَاؤُهَا مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ غُبْرًا، وَعُلَمَاؤُهَا مِنْ الْعُلُومِ فُقَرَا، وَالْفِتَنُ فِي ضَوَاحِيهَا تَتْرَى، وَعَزَّتْ الْمَوَادُّ فِي قُطْرِ تَأْلِيفِهَا، وَفَقَدَ الْخِلُّ الْمَوَادَّ فِي مَخَالِيفِهَا. غَيْرَ أَنَّ الْعَبْدَ إذا ابْتَهَلَ إلَى اللَّهِ، وَرَمَى نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَطَرَقَ بَابَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَعُونَةَ عَلَى شَيْءٍ سَهَّلَ أَسْبَابَهُ.
فَقَدْ حَصَلَ لَدَيْنَا مِنْ الْمَادَّةِ الَّتِي لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ مُسَاعِدَةٌ عِدَّةُ أَسْفَارٍ، إذَا قَابَلَتْ لَيْلَ الْجَهْلِ انْقَشَعَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْأَنْوَارِ، مِثْلُ الْآدَابِ الْكُبْرَى لِابْنِ مُفْلِحٍ، وَمُخْتَصَرِهَا لِلْيُونِينِيِّ، وَشَرْحِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ لِلْحَجَّاوِيِّ، وَالْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَشُرُوحِهِمَا وَحَوَاشِيهِمَا، وَفُرُوعِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَتَصْحِيحِهِ لِلْمَرْدَاوِيِّ، وَحَاشِيَتِهِ لِابْنِ قُنْدُسٍ، وَالْإِنْصَافِ لِلْمَرْدَاوِيِّ، وَالتَّنْقِيحِ لَهُ، وَحَاشِيَتِهِ لِلْحَجَّاوِيِّ، وَغَايَةِ الْمَطْلَبِ لِلْجِرَاعِيِّ، وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيِّ، وَالْمُحَرَّرِ لِلْمَجْدِ، وَعِدَّةٌ مِنْ كُتُبِ فِقْهِ الْمَذْهَبِ.
وَمِنْ كُتُبِ الْآثَارِ: سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، وَسِيرَةُ الْحَلَبِيِّ، وَسِيرَةُ الشَّمْسِ لِلشَّامِيِّ، وَالْمَوَاهِبُ اللَّدُنِّيَّةُ، وَتَحْبِيرُ الْوَفَا لَنَا، وَزَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ لِلْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ، وَإِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، وَالرُّوحُ، وَحَادِي الْأَرْوَاحِ، وَشَرْحُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَالْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، وَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ، وَرَوْضَةُ الْمُحِبِّينَ، وَنُزْهَةُ الْمُشْتَاقِينَ، وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ، وَتُحْفَةُ الْوَدُودِ، وَجَلَاءُ الْأَفْهَامِ، وَغَيْرُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ كُتُبِهِ.
وَمِنْ كُتُبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: التَّبْصِرَةُ، وَالْمَنْهَلُ الْمَوْرُودُ، وَمُنْتَخَبُ الْمُنْتَخَبِ، وَمَوَاسِمُ الْعُمْرِ، وَالْمَوْضُوعَاتُ، وَصَيْدُ الْخَاطِرِ، وَآدَابُ النِّسَاءِ.
وَمِنْ كُتُبِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ: لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ، وَشَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ وَاخْتِيَارُ الْأَوْلَى، وَاسْتِنْشَاقُ نَسِيمِ الْأُنْسِ، وَالذُّلُّ وَالِانْكِسَارُ، وَغَيْرُهَا مِنْ كُتُبِهِ الْمُفِيدَةِ وَأَجْزَائِهِ الْعَدِيدَةِ.

1 / 11

وَمِنْ كُتُبِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ: الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةُ، وَالرِّسَالَةُ الْحَمَوِيَّةُ وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ، وَرَفْعُ الْمَلَامِ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْوَابِلُ الصَّيِّبُ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالسِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، وَقَوَاعِدُ وَرَسَائِلُ لَهُ يَكْثُرُ ذِكْرُهَا.
وَمِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ: الْبَغَوِيّ، وَالثَّعْلَبِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَالْجَلَالَيْنِ، وَالْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهَا.
وَمِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ: الْقَامُوسُ، وَجَمْهَرَةُ ابْنِ دُرَيْدٍ، وَنِهَايَةُ ابْنِ الْأَثِيرِ، وَمَطَالِعُ الْأَنْوَارِ، وَغَرِيبُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَغَرِيبُ لُغَةِ الْإِقْنَاعِ، وَالْمُطْلِعُ.
وَمِنْ الْكُتُبِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ، وَتَنْبِيهُ الْغَافِلِينَ لِلسَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ وَشُرُوحُهُ، وَالْهَيْئَةُ السَّنِيَّةُ فِي الْهَيْئَةِ السُّنِّيَّةِ لَهُ، وَالْأَوَائِلُ لَهُ، وَأَوَائِلُ عَلِيٍّ دَدَهْ، وَالتَّمْيِيزُ لِابْنِ الدَّيْبَعِ تِلْمِيذِ السَّخَاوِيِّ اخْتَصَرَهُ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِيمَا يَدُورُ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَتَسْهِيلُ السَّبِيلِ لِغَرْسِ الدِّينِ، وَمَوْضُوعَاتُ عَلِيٍّ الْقَارِيّ، وَمُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالصَّحِيحَيْنِ، وَبَقِيَّةُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ، وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ لِلضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ، وَغَيْرُ مَا ذَكَرْنَا فَقَدْ جَمَعْتُهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَثِمِائَةِ كِتَابٍ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا. وَبِحَسَبِ مَوَادِّ أَصْلِهَا تَزِيدُ عَلَى الْأُلُوفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَسَمَّيْتُهُ (غِذَاءَ الْأَلْبَابِ، لِشَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ) وَصَدَّرْتُهُ بِمُقَدِّمَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَمْرَيْنِ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) هَذِهِ الْقَصِيدَةُ مِنْ بَحْرِ الطَّوِيلِ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي، وَلَهُ عَرُوضٌ وَاحِدَةٌ مَقْبُوضَةٌ، وَالْقَبْضُ حَذْفُ خَامِسِ الْجُزْءِ، وَأَضْرُبُهُ ثَلَاثَةٌ:
(الْأَوَّلُ) صَحِيحٌ وَبَيْتُهُ:
أَبَا مُنْذِرٍ كَانَتْ غُرُورًا صَحِيفَتِي ... وَلَمْ أُعْطِكُمْ بِالطَّوْعِ مَالِي وَلَا عِرْضِي
(الثَّانِي) مِثْلُهَا وَبَيْتُهُ:
سَتُبْدِي لَك الْأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلًا ... وَيَأْتِيك بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ
(وَالثَّالِثُ): مَحْذُوفٌ وَبَيْتُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَقِيمُوا بَنِي النُّعْمَانِ عَنَّا صُدُورَكُمْ ... وَإِلَّا تُقِيمُوا صَاغِرِينَ الرُّءُوسَا

1 / 12

وَالْحَذْفُ هُوَ ذَهَابُ سَبَبٍ خَفِيفٍ كَمَا فِي الْبَيْتِ. وَأَجْزَاءُ الطَّوِيلِ ثَمَانِيَةٌ: (فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ) (فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ) .
وَلْنُقَطِّعْ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ مِنْ قَصِيدَةِ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَضِيَ عَنْهُ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ نَظَائِرُهُ (بِحَمْدِ) فَعُولُ دَخَلَهُ الْقَبْضُ وَهُوَ حَذْفُ خَامِسِ الْجُزْءِ سَاكِنًا كَمَا هُنَا (كَ ذِي الْإِكْرَا) مَفَاعِيلُنْ (مِ مَا رُمْ) فَعُولُنْ (تَ أَبْتَدِي) مَفَاعِلُنْ بِحَذْفِ خَامِسِهِ سَاكِنًا لِأَنَّ عَرُوضَهُ لَا تَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ (كَثِيرًا) فَعُولُنْ (كَمَا تَرْضَى) مَفَاعِيلُنْ (بِغَيْرِ) فَعُولُ بِحَذْفِ سَاكِنِ السَّبَبِ الْخَفِيفِ وَهُوَ قَبْضٌ لِأَنَّهُ خَامِسُ الْجُزْءِ كَمَا عَلِمْت (تَحَدُّدِ) مَفَاعِلُنْ، وَالْحَرْفُ الْمُشَدَّدُ بِحَرْفَيْنِ، وَالْعَرُوضُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ آخِرُ الْمِصْرَاعِ الْأَوَّلِ، وَالضَّرْبُ مُذَكَّرٌ وَهُوَ آخِرُ الْمِصْرَاعِ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْقَافِيَةُ فَهِيَ مِنْ آخِرِ الْبَيْتِ إلَى أَوَّلِ مُتَحَرِّكٍ قَبْلَ سَاكِنٍ بَيْنَهُمَا وَتَكُونُ بَعْضَ كَلِمَةٍ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَحَمَّلْ
هِيَ مِنْ الْحَاءِ إلَى الْيَاءِ، وَتَكُونُ كَلِمَةً كَقَوْلِهِ:
فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً ... عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مَحْمَلِي
وَفِي مَنْظُومَةِ النَّاظِمِ آخِرُ الْبَيْتِ الْيَاءُ السَّاكِنَةُ فِي جَمِيعِ الْقَصِيدَةِ وَالْمُتَحَرِّكُ الَّذِي قَبْلَ سَاكِنٍ هُوَ الدَّالُ الْمُهْمَلَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي فِي ذِكْرِ تَرْجَمَةِ النَّاظِمِ) ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ.
هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ بْنِ بَدْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِنْدَسِيُّ الْمِرْدَاوِيُّ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ النَّحْوِيُّ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِمَرْدَا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ خَطِيبِ مَرْدَا وَعُثْمَانَ بْنِ خَطِيبِ الْقَرَافَةِ، وَابْنِ عَبْدِ الْهَادِي، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَلِيلٍ وَغَيْرِهِمْ. وَطَلَبَ وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَبَرَعَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ، وَاشْتَغَلَ وَدَرَّسَ وَأَفْتَى وَصَنَّفَ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ حَسَنَ الدِّيَانَةِ، دَمِثَ الْأَخْلَاقِ، كَثِيرَ الْإِفَادَةِ، مُطَّرِحًا لِلتَّكْلِيفِ، وَلِيَ تَدْرِيسَ الصَّالِحِيَّةِ مُدَّةً، وَكَانَ يَحْضُرُ دَارَ الْحَدِيثِ وَيَشْتَغِلُ بِهَا وَبِالْجَبَلِ، يَعْنِي صَالِحِيَّةِ دِمَشْقَ. وَلَهُ حِكَايَاتٌ وَنَوَادِرُ، وَكَانَ

1 / 13

مِنْ مَحَاسِنِ الشُّيُوخِ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَجَلَسْت عِنْدَهُ وَسَمِعْت كَلَامَهُ وَلِي مِنْهُ إجَازَةٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: دَرَّسَ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّالِحِيَّةِ بَعْدَ ابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَتَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ، وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ الْعَرَبِيَّةَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَلَهُ تَصَانِيفُ مِنْهَا فِي الْفِقْهِ الْقَصِيدَةُ الطَّوِيلَةُ الدَّالِيَّةُ وَكِتَابُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ لَمْ يُتِمَّهُ، وَكِتَابُ الْفُرُوقِ، وَعَمِلَ طَبَقَاتٍ لِلْأَصْحَابِ، وَحَدَّثَ وَرَوَى عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَبَّازِ فِي مَشْيَخَتِهِ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ آمِينَ. قَالَ الشَّيْخُ مُوسَى بْنُ أَحْمَدَ بْنُ مُوسَى بْنُ سَالِمٍ الْحَجَّاوِيُّ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ: وَلَمَّا نَظَمَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْقَصِيدَةَ الطَّوِيلَةَ فِي الْفِقْهِ أَتْبَعَهَا بِهَذِهِ الْقَصِيدَةِ فِي الْآدَابِ اقْتِدَاءً بِطَرِيقَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، كَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَابْنِ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ، وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ، وَغَيْرِهِمْ فِي إتْبَاعِ الْكِتَابِ بِخَاتِمَةٍ فِي الْآدَابِ، فَأَتْبَعَ كِتَابَهُ بِهَذِهِ الْقَصِيدَةِ. قُلْت: وَمِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْأُسْلُوبَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ زَيْدٍ الْجِرَاعِيِّ فِي كِتَابِهِ غَايَةِ الْمَطْلَبِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ فِي صَدْرِ آدَابِهِ الْكُبْرَى: وَقَدْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَعْنِي الْآدَابَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، كَأَبِي دَاوُد الْإِمَامِ السِّجِسْتَانِيِّ صَاحِبِ السُّنَنِ، وَأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي حَفْصٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ: وَصَنَّفَ فِي بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالدُّعَاءِ وَالطِّبِّ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمْ انْتَهَى.
الْكَلَامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ سَاقِطَةٌ مِنْ أَوَّلِ النَّظْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَنْظُومَةِ تَتِمَّةً لِلْقَصِيدَةِ الطَّوِيلَةِ، أَوْ أَنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَتَى بِهَا لَفْظًا أَوْ لَفْظًا وَخَطًّا كَمَا

1 / 14

هُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَأَسْقَطَهَا بَعْضُ النُّسَّاخِ، وَنَحْنُ نَأْتِي بِهَا فَنَقُولُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنَّمَا بَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ كُتُبَهُمْ بِالْبَسْمَلَةِ تَأَسِّيًا بِالْكِتَابِ الْقَدِيمِ، وَاقْتِدَاءً بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِي مُكَاتَبَاتِهِ إلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَمَلًا بِحَدِيثِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ» أَيْ ذَاهِبُ الْبَرَكَةِ، رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ.
فَالْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِاسْتِعَانَةٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ فِعْلًا خَاصًّا مُؤَخَّرًا أَوْلَى. أَمَّا كَوْنُهُ فِعْلًا؛ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ خَاصًّا فَلِأَنَّهُ أَنْسَبُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُؤَخَّرًا لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِالْبَسْمَلَةِ حَقِيقَةً، وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، أَوْ السِّمَةُ وَهِيَ الْعَلَامَةُ.
وَاَللَّهُ عَلَمٌ لِلذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ كَعَلِمَ إذَا تَحَيَّرَ لَتَحَيُّرِ الْخَلْقِ فِي كُنْهِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، وَقِيلَ مِنْ لَاهَ يَلِيهُ إذَا عَلَا، أَوْ مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إذَا احْتَجَبَ.
وَهُوَ عَرَبِيٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْبَلْخِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ فَقِيلَ عَرَبِيٌّ وَقِيلَ سُرْيَانِيٌّ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مُعَرَّبٌ سَاقِطٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَدَمُ الْإِجَابَةِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ مَعَ الدُّعَاءِ بِهِ لِتَخَلُّفِ بَعْضِ شُرُوطِهِ الَّتِي مِنْ أَهَمِّهَا الْإِخْلَاصُ وَأَكْلُ الْحَلَالِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَجَمَعَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ الْحَيَّ الْقَيُّومَ. قَالَ فِي نُونِيَّتِهِ:
اسْمُ الْإِلَهِ الْأَعْظَمِ اشْتَمَلَا عَلَى اسْ ... مِ الْحَيِّ وَالْقَيُّومِ مُقْتَرِنَانِ
فَالْكُلُّ مَرْجِعُهَا إلَى الِاسْمَيْنِ يَدْ ... رِيّ ذَاكَ ذُو بَصَرٍ بِهَذَا الشَّانِ
وَالرَّحْمَنُ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ جِدًّا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتَهَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالرَّحِيمُ ذُو الرَّحْمَةِ الْكَثِيرَةِ، فَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْهُ، وَأَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِ الرَّحْمَةِ وَإِنْ ذُكِرَ بَعْدَمَا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِهَا الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مَقْصُودٌ أَيْضًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قُدِّمَ اللَّهُ عَلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ فِي الْأَصْلِ، وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ فِي الْأَصْلِ، وَالذَّاتُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الصِّفَةِ.

1 / 15

وَإِنَّمَا قُدِّمَ الرَّحْمَنُ عَلَى الرَّحِيمِ لِأَنَّ الرَّحْمَنَ خَاصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ بَنِي حَنِيفَةَ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ: رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ، وَقَوْلُ شَاعِرِهِمْ
وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانًا
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ تَعَنُّتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ، وَإِلَّا فَهُوَ كَاَللَّهِ خَاصٌّ بِاَللَّهِ لُغَةً وَشَرْعًا. قَالَ وَمِنْ ثَمَّ أُخِّرَ عَنْ اللَّهِ بِخِلَافِ الرَّحِيمِ فَلَيْسَ خَاصًّا بِهِ تَعَالَى بَلْ عَامٌّ بِهِ وَبِغَيْرِهِ تَعَالَى لِمَنْ قَامَ بِهِ مَعْنَاهُ.
وَاعْتُرِضَ بِمَا خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ الرَّحِيمُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْتَحِلَهُ، وَحَمَلَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ عَلَى الْمُعَرَّفِ بِأَلْ دُونَ الْمُنَكَّرِ وَالْمُضَافِ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ كَمَا أَشَرْنَا لِزِيَادَةِ بِنَائِهِ عَلَى الرَّحِيمِ وَزِيَادَةُ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى غَالِبًا كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ.
فَإِنْ قِيلَ: الْعَادَةُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَبْلَغِ لِيَرْتَقِيَ مِنْهُ إلَى الْأَبْلَغِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ عَالِمٌ نِحْرِيرٌ وَجَوَادٌ فَيَّاضٌ، فَالْجَوَابُ قَدْ قِيلَ إنَّ الرَّحِيمَ أَبْلَغُ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خُصَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ، فَقِيلَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ الرَّحْمَنُ أَمْدَحُ وَالرَّحِيمُ أَلْطَفُ. وَقِيلَ إنَّمَا خُولِفَتْ الْعَادَةُ لِأَنَّهُ أُرِيدَ أَنْ يُرْدَفَ الرَّحْمَنُ الَّذِي تَنَاوَلَ جَلَائِلَ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِتَنَاوُلِهِ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطُفَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي: الْحَقُّ قَوْلُ الْأَعْلَمِ وَابْنِ مَالِكٍ أَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ بِصِفَةٍ بَلْ عَلَمٍ. قَالَ وَبِهَذَا لَا يُتَّجَهُ السُّؤَالُ وَيَنْبَنِي عَلَى عَلَمِيَّتِهِ أَنَّهُ فِي الْبَسْمَلَةِ وَنَحْوِهَا بَدَلٌ لَا نَعْتٌ، وَأَنَّ الرَّحِيمَ بَعْدَهُ نَعْتٌ لَهُ لَا نَعْتٌ لِاسْمِ اللَّهِ، إذْ لَا يُقَدَّمُ الْبَدَلُ عَلَى النَّعْتِ. قَالَ وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ غَيْرُ صِفَةٍ مَجِيئُهُ كَثِيرًا غَيْرَ تَابِعٍ نَحْوُ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] انْتَهَى.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ كَثِيرًا غَيْرَ تَابِعٍ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ إذَا عُلِمَ جَازَ حَذْفُهُ وَإِبْقَاءُ صِفَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٨] أَيْ نَوْعٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَاخْتِلَافِ السَّمَوَاتِ وَالْجِبَالِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ صِفَةٌ كَالرَّحِيمِ بِحَسَبِ الْأَصْلِ فَمُشْتَقَّانِ مِنْ رَحُمَ بِجَعْلِهِ

1 / 16

لَازِمًا بِنَقْلِهِ إلَى بَابِ فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ إذْ هُمَا صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ وَهِيَ لَا تُشْتَقُّ مِنْ مُتَعَدٍّ.
وَرَحْمَتُهُ تَعَالَى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِنْعَامَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِرِقَّةٍ فِي الْقَلْبِ تَقْتَضِي الْإِنْعَامَ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا يَلِيقُ بِرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ الْمُتَّصِفَ بِهَا تَعَالَى لَيْسَتْ مِثْلَ الْحَقِيقَةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَخْلُوقِ، بَلْ نَفْسُ الْإِرَادَةِ الَّتِي يَرُدُّونَ الرَّحْمَةَ إلَيْهَا هِيَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِإِرَادَةِ الْمَخْلُوقِ، إذْ هِيَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ، وَإِرَادَتُهُ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَكَذَا رَدُّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى إلَى الْفِعْلِ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ مَعَ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ الِاخْتِيَارِيَّ إنَّمَا يَكُونُ لِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْفَاعِلِ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ، وَفِعْلُهُ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَمَا فَرُّوا إلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ نَظِيرُ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى الْمَجَازِ فِي رَحْمَتِهِ تَعَالَى، إذْ هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ نَفْيِهَا عَنْهُ وَضَعْفِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا فِيهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمَجَازِ، إذْ يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ لِمَنْ قَالَ زَيْدٌ أَسَدٌ لَيْسَ بِأَسَدٍ وَلَيْسَتْ جَرَاءَتُهُ كَجَرَاءَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّفَةَ تَارَةً تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِهِ تَعَالَى، وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَلَيْسَتْ الِاعْتِبَارَاتُ الثَّلَاثَةُ مُتَمَاثِلَةً إذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعَالَى شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ» قَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» رَوَاهُ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ «بِحَمْدِ اللَّهِ»، وَالْكُلُّ بِلَفْظِ «أَقْطَعُ» وَفِي رِوَايَةٍ " أَجْذَمُ " وَفِي رِوَايَةٍ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» أَيْضًا وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ» فَتَكُونُ الرِّوَايَاتُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَبِالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَبِحَمْدِ اللَّهِ، وَبِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَقْطَعُ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ، وَأَبْتَرُ وَأَجْذَمُ.
وَمَعْنَى " ذِي بَالٍ " أَيْ صَاحِبِ حَالٍ وَشَأْنٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا، فَيَخْرُجُ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ، وَمَعْنَى " الْأَبْتَرُ، وَالْأَقْطَعُ، وَالْأَجْذَمُ نَاقِصُ الْبَرَكَةِ، فَإِنَّ الْبَتْرَ قَطْعُ الذَّنَبِ، وَالْقَطْعُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَذْمُ قَطْعُ الْأَطْرَافِ أَوْ

1 / 17