غريب الحديث
غريب الحديث
সম্পাদক
محمد عبد المعيد خان
প্রকাশক
مطبعة دائرة المعارف العثمانية
সংস্করণ
الأولى
প্রকাশনার বছর
১৩৮৪ AH
প্রকাশনার স্থান
حيدر آباد
(السلسلة الجديدة من مطبوعات دَائِرَة المعارف العثمانية ٩٢ / ٢)
غَرِيب الحَدِيث
لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام الْهَرَوِيّ الْمُتَوفَّى سنة ٢٢٤ هـ = ٨٣٨ م
(الْجُزْء الأول) طبع بإعانة وزارة المعارف للحكومة الْعَالِيَة الْهِنْدِيَّة
تَحت مراقبة الدكتور مُحَمَّد عبد المعيد خَان أستاذ آدَاب اللُّغَة الْعَرَبيَّة بالجامعة العثمانية
الطبعة الأولى بمطبعة مجْلِس دَائِرَة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الْهِنْد
سنة ١٣٨٤ هـ / ١٩٦٤ م
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مُقَدّمَة الْمُصَحح الْحَمد لله الذى علم الانسان مَا لم يعلم وَأكْرم نبيه الامي باعجاز الْبَيَان، الذى أفحم الناطقين بِمَا يُوحى إِلَيْهِ من الْقُرْآن والعرفان، وصلوات الله سُبْحَانَهُ على أكْرم الْمُرْسلين سيد الانبياء وَالصديقين، سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله الطاهرين وَأَصْحَابه الاكرمين وأزواجه المنزهان من الرجس أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ، وعَلى التَّابِعين لَهُم باحسان إِلَى يَوْم الدَّين.
أما بعد فَيُقَال فِي كَلَام الْعَرَب: غربت الْكَلِمَة غرابة - إِذا غمضت وخفيت معنى، وَغرب الرجل يغرب غربا - إِذا ذهب الرجل وَبعد.
فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد الْخطابِيّ فِي شرح معنى الْغَرِيب واشتقاقه أَن الْغَرِيب
من الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ الغامض الْبعيد من الْفَهم كالغريب من النَّاس، وَقَالَ، إِن الْغَرِيب من الْكَلَام يسْتَعْمل على وَجْهَيْن " أَحدهمَا أَن يُرَاد أَنه بعيد الْمَعْنى غامضه لَا يتَنَاوَلهُ الْفَهم إِلَّا عَن بعد ومعاناة فكر، وَالْوَجْه الاخر أَن يُرَاد بِهِ كَلَام من بَعدت بِهِ الدَّار ونأى بِهِ الْمُحَلّل من شواذ قبائل الْعَرَب، فَإِذا وَقعت الْكَلِمَة من لغاتهم استغربناها (١) .
(١) غَرِيب الحَدِيث لابي سُلَيْمَان الْخطابِيّ مخطوطة الجامعة العثمانية رق
المقدمة / 1
ثمَّ قَالَ الْخطابِيّ يذكر السَّبَب الَّذِي من أَجله كثر غَرِيب حَدِيث رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم " أَنه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم بعث مبلغا ومعلما فَهُوَ لَا يزَال فِي كل مقَام يقومه وموطن يشهده يَأْمر بِمَعْرُوف وَينْهى عَن مُنكر ويشرع فِي حادثه ويفتى فِي نازلة والاسماع إِلَيْهِ مصغية والقلوب لما يرد عَلَيْهَا من قَوْله وَاعِيَة، وَقد يخْتَلف عَنْهَا عباراته، ويتكرر فِيهَا بَيَانه ليَكُون أوقع للسامعين وَأقرب إِلَى فهم من كَانَ مِنْهُم أقل فقها وَأقرب بالاسلام عهدا، وأولو الْحِفْظ والاتفاق من فُقَهَاء الصَّحَابَة يوعونها كلهَا سمعا ويستوفونها حفظا ويؤدونها على اخْتِلَاف جهاتها، فتجمع لَك لذَلِك فِي الْقَضِيَّة الْوَاحِدَة عدَّة أَلْفَاظ تحتهَا معنى وَاحِد، وَذَلِكَ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ: الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر، وفى رِوَايَة أُخْرَى: وللعاهر الاثلب، وَقد مر بسماعي وَلم يثبت عِنْدِي: وللعاهر الكثكثت: وَقد يتَكَلَّم صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض النَّوَازِل، بِحَضْرَتِهِ أخلاط من النَّاس قبائلهم شَتَّى ولغتهم مُخْتَلفَة ومراتبهم فِي الْحِفْظ والاتقان غير مُتَسَاوِيَة، وَلَيْسَ كلهم يَتَيَسَّر لضبط اللَّفْظ وحصره أَو يتَعَمَّد لحفظه، ووعيه وَإِنَّمَا يسْتَدرك المُرَاد بالفحوى وَيتَعَلَّق بالعمى ثمَّ يُؤَدِّيه بلغته ويعبر عَنهُ
بِلِسَان قبيلته، فيجتمع فِي الحَدِيث الْوَاحِد إِذا انشعبت طرقه عدَّة أَلْفَاظ مُخْتَلفَة مُوجبهَا شئ وَاحِد (١) .
هَذَا قَول الْخطابِيّ أقرب إِلَى الْفَهم وأجدر بِالْقِيَاسِ مِمَّا قَالَه ابْن الاثير.
(١) غَرِيب الحَدِيث للخطابي ق ٧.
المقدمة / 2
فِي النِّهَايَة، فخلاصة مَا قَالَ ابْن الاثير من الدواعى الَّتِى أدَّت وضع هَذَا الْفَنّ كَمَا يلى:
(١) كَانَ الله تَعَالَى قد أعلم نبيه مَا لم يكن يُعلمهُ غَيره، وَكَانَ أَصْحَابه يعْرفُونَ أَكثر مَا يَقُوله، وَمَا جهلوه سَأَلُوهُ عَنهُ - صلى الله عَلَيْهِ - فيوضحه لَهُم، وَلم يَتَيَسَّر ذَلِك بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ.
(٢) كَانَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ فِي عصر الصَّحَابَة صَحِيحا لَا يتداخله الْخلّ إِلَى أَن فتحت الامصار وخالط الْعَرَب غير جنسهم فامتزجت الالسن فتعلم الاولاد من اللِّسَان الْعَرَبِيّ مَا لَا بُد لَهُم وَتركُوا مَا عداهُ -
(٣) اسْتَحَالَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ أع جميا فِي عصر التَّابِعين فصرف الْعلمَاء طرفا من عنايتهم فألفوا فِيهِ حراسة لهَذَا الْعلم.
عِنْد مَا نقارن هَذَا القَوْل بِمَا قَالَ الْخطابِيّ يظْهر جليا أَن السَّبَب فِي ثكرة الْغَرِيب فِي الحَدِيث يرجع إِلَى اخْتِلَاف الروَاة عِنْد الخطابى.
ولسبب عِنْد ابْن الاثير يرجع إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم نبيه مَا لم يكن يُعلمهُ غَيره، وَأما مَا قَالَ ابْن الاثير تَحت الرقم الثَّانِي، والرقم الثَّالِث فَهُوَ لَا يُنَاسب وَلَا يلائم سَبَب تأليف هَذَا الْفَنّ، لَان الْعلمَاء بذلوا جهودهم فِي جمع غَرِيب الحَدِيث، نوادره لادراك معنى الحَدِيث والتفقه فِي الدَّين لَا لمعْرِفَة كَلَام تبع التَّابِعين الَّذين أصبح اللِّسَان الْعَرَبِيّ أعجميا
فِي عصرهم كَمَا زعم ابْن الاثير، وَمهما كَانَ من وُجُوه التَّأْلِيف، وأسبابه فان الْفَنّ أصبح من اللوازم الَّتِى لابد مِنْهَا فِي فهم الحَدِيث وَإِدْرَاك مَعَانِيه، وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن السّلف إِذا وجدوا كلمة غَرِيبَة أَو معنى
المقدمة / 3
مستغلقا فِي متن الْقُرْآن والْحَدِيث وَلم يكن النَّبِيّ صلي الله عَلَيْهِ وَسلم ولاصحابته موجودين لايضاح غَرِيب اللُّغَات وَتَأْويل الْعبارَات رجعُوا إِلَى كَلَام الْعَرَب وأشعارهم للبحث عَن مادتها ولاستكاشفا مَعَانِيهَا، فأصحبت نتائج الْبَحْث وَالتَّحْقِيق علما مُسْتقِلّا بِذَاتِهِ، وَبَدَأَ الْعلمَاء يؤلفون الْكتب حول غَرِيب الحَدِيث من ابْتِدَاء الْقرن الثَّانِي من الهجري.
منزلَة أَبى عبيد عِنْد معاصريه وَأورد ابْن الاثير فِي مُقَدّمَة كِتَابه النِّهَايَة نبذة من تَارِيخ معاجم غَرِيب الحَدِيث من ابْتِدَاء الْقرن الثَّانِي إِلَى عهد الزَّمَخْشَرِيّ، وَنَقله حاجى خليفه فِي كشف الظنون، ومصححا الْفَائِق فِي مقدمتهما، (انْظُر طبع دَار إحْيَاء الْكتب الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ سنة ١٩٤٥ م) فَلَا حَاجَة لنا إِلَى أَن نكرر الْعبارَات مرّة أُخْرَى.
وَلَكِن قبل أَن نَعْرِف كتاب أَبى عبيد الْقَاسِم بن سَلام يجب أَن نعين مقَامه بَين مُؤَلَّفِي معاجم هَذَا النَّوْع، فَلَا بُد من نقل مَا ذكر ابْن النديم من أَوَائِل المؤلفين الَّذين ألفوا حول غَرِيب الحَدِيث قبيل أَبى عبيد الْقَاسِم بن سَلام، وهم على قَول ابْن النديم:
١ - النَّضر بن شُمَيْل (م ٢٠٣ هـ) .
٢ - قطرب (م ٢٠٦ هـ) .
٣ - أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى (م ٢٠٩ هـ) .
٤ - أَبُو زيد (م ٢١٥ هـ) .
٥ - عبد الْملك بن قريب الاصمعي (م ٢١٦ هـ) .
٦ - أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام (م ٢٢٤ هـ) .
المقدمة / 4
وَلَو لم يصل إِلَيْنَا من هَذِه الْكتب غير كتاب أَبى عبيد الْقَاسِم بن سَلام لَكِنَّهَا وصلت إِلَى الْخطابِيّ كَمَا يظْهر من قَوْله التالى الذى يجدر بِالذكر لكى نَعْرِف نوعية هَذِه الْكتب ومبلغ أَثَرهَا فِيمَا الف فِي العصور التالية فَقَالَ الخطابى فِي كِتَابه (١) مِنْهَا كتاب أَبى عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَكتاب ينْسب إِلَى الاصمعي يَقع فِي وَرَقَات مَعْدُودَة وَكتاب مُحَمَّد بن المستنير الذى يعرف بقطرب وَكتاب النَّضر بن شُمَيْل وَكتاب إِبْرَاهِيم ابْن إِسْحَاق الحربى وَكتاب أَبى معَاذ صَاحب الْقرَاءَات وَكتاب شمر بن حَمْدَوَيْه وَكتاب الباحدانى (كَذَا) وَكتاب آخر ينْسب إِلَى رجل يعرف بِأَحْمَد بن الْحُسَيْن الكندى، إِلَّا أَن هَذِه الْكتب على كَثْرَة عَددهَا إِذا حصلت كَانَ مآلها إِلَى الْكتاب كالكتاب الْوَاحِد إِذْ كَانَ مصنفوها لم يقصدوا بهَا مَذْهَب التَّعَاقُب كصنيع القتيبي فِي كِتَابه، إِنَّمَا سبيلهم فِيهَا أَن يتوالوا على الحَدِيث فيعتوروه فِيمَا بَينهم ثمَّ يتبارون فِي تَفْسِير يدْخل بَعضهم على بعض، وَلم يكن من شَرط الْمَسْبُوق مِنْهُم أَن يفرج للسابق عَمَّا أحذره وَأَن يقتضب الْكَلَام فِي شئ لم يُفَسر قبله على شاكلة مَذْهَب ابْن قُتَيْبَة وصنيعة فِي كِتَابه الذى عقب بِهِ كتاب أَبى عبيد ثمَّ إِنَّه لَيْسَ لوَاحِد من هَذِه الْكتب الَّتِى ذَكرنَاهَا أَن يكون شئ مِنْهَا على منهاج كتاب أَبى عبيد فِي بَيَان اللَّفْظ وَصِحَّة الْمَعْنى وجودة الاستنباط وَكَثْرَة الْفِقْه وَلَا أَن يكون من شرح كتاب ابْن قُتَيْبَة فِي إشباع التَّفْسِير وإيراد الْحجَّة وَذكر النَّظَائِر والتخليص للمعانى، إِنَّمَا هِيَ أَو عامتها إِذا انقسمت وَقعت
(١) غَرِيب الحَدِيث للخطابي ق ٢.
المقدمة / 5
بَين مقصر لاموره فِي كِتَابه إِلَّا أطرافا وسواقط من الحَدِيث ثمَّ لَا يوفيها حَقّهَا من إشباع التَّفْسِير، وإيضاح الْمَعْنى وَبَين مطيل يسْرد الاحاديث الْمَشْهُورَة الَّتِى لَا يكَاد يشكل مِنْهَا شئ ثمَّ يتَكَلَّف تَفْسِيرهَا ويطنب فِيهَا وفى بعض هَذِه الْكتب خلل من جِهَة التَّفْسِير وَفِي بَعْضهَا أَحَادِيث مُنكرَة لَا تدخل فِي شَرط مَا انشئت لَهُ هَذِه الْكتب ... وَلابْن الانباري من وَرَاء هَذِه الْكتب مَذْهَب حسن فِي تَخْرِيج الحَدِيث وَتَفْسِيره، وَقد تكلم على أَحَادِيث مَعْدُودَة وَقع إِلَى بَعْضهَا وعامتها مفسرة قبل إِلَّا أَنه قد زَاد عَلَيْهَا وَأفَاد وَله استدراكات على ابْن تقيبة فِي مَوَاضِع من الحَدِيث ".
وَقَالَ الخطابى أَيْضا " وَكَانَ أول من سبق إِلَيْهِ وَدلّ من بعده عَلَيْهِ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فانه قد انتظم بتصنيفه عَامَّة مَا يحْتَاج إِلَى تَفْسِيره من مشاهير غَرِيب الحَدِيث وَصَارَ كِتَابه إِمَامًا لاهل الحَدِيث بِهِ يتذاكرون وَإِلَيْهِ يتحاكمون، ثمَّ انتهج نهجه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة فتتبع مَا أغفله أَبُو عبيد من ذَلِك وَألف فِيهِ كتاب لم يأب أَن يبلغ بِهِ شأو المبرز الشائق، وَبقيت بعدهمَا صبَابَة لِلْقَوْلِ ".
وفى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ للخطابي كِفَايَة لتعيين مقَام أَبى عبيد وَكتابه فِي آدَاب غَرِيب الحَدِيث لَان الْقَاسِم بن سَلام لم يكن إِمَامًا لاهل الحَدِيث عِنْد معاصريه فَحسب، بل كَانَ أَيْضا أول من سبق إِلَى تصنيف غَرِيب الحَدِيث بمقدرة تَامَّة فِي بَيَان اللَّفْظ وَصِحَّة الْمَعْنى وجودة الاستنباط وَكَثْرَة الْفِقْه وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن تأليف أَبى عبيد يجمع غرائب الحَدِيث مَعَ نَوَادِر الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة المفيدة، ولكونه محتويا على كثير من غرائب الحَدِيث
المقدمة / 6
وَمَا يتَعَلَّق بهَا ومشتملا على نتائج الْبَحْث المستقصى الذى امْتَدَّ لمُدَّة أَرْبَعِينَ سنة من عمر الْمُؤلف بقى الْكتاب مرجعا مُنْفَردا فِي غَرِيب للمتأخرين إِلَى أَن جَاءَ ابْن تقيبة (م ٢٧٦ هـ) والخطابي (م ٣٨٨ هـ) اللَّذَان اجتهدا فِي جمع مَا فَاتَ أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَلَو اعْترف ابْن قُتَيْبَة أَن الاول لم يتْرك للاخر شَيْئا ".
حَيَاة الْمُؤلف فَصَاحب هَذِه الْفَضَائِل والمؤلف الْجَلِيل هَذَا هُوَ أَبُو عبيد الْقَاسِم ابْن سَلام الْهَرَوِيّ الازدي خزاعي بِالْوَلَاءِ وخراساني وبغدادي بِالنِّسْبَةِ.
كَانَ أَبوهُ روميا مَمْلُوكا لرجل لرجل من أهل هراة وَكَانَ من موالى الازد، ولد أَبُو عبيد بهراة فِي سنة إربع وَخمسين وَمِائَة على قَوَّال أَبى بكر الزبيدِيّ فِي كتاب التقريظ، وفى سنة سبع وَخمسين وَمِائَة على قَول الزركلي.
طلب أَبُو عبيد الْعلم وَسمع الحَدِيث وَنظر فِي الْفِقْه والادب، واشتغل بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه والادب والقراءات وأصناف عُلُوم الاسلام، وَكَانَ دينا ورعا حسن الرِّوَايَة صَحِيح النَّقْل وَلم يطعن أحد فِي شئ من دينه.
أَخذ أَبُو عبيد الادب عَن أكَابِر أدباء عصره أَمْثَال أَبى زيد الانصاري وأبى عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى والاصمعى وأبى مُحَمَّد اليزيدي وَغَيرهم من الْبَصرِيين، وروى عَن ابْن الاعرابي وأبى زِيَاد الْكلابِي وَيحيى بن سعيد الاموى وأبى عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَالْفراء وَالْكسَائِيّ ولاحمر من الْكُوفِيّين.
وروى النَّاس من كتبه المصنفة بضعَة وَعشْرين كتابا فِي الْقرَان وَالْفِقْه واللغة والْحَدِيث، ويحكى أَن سَلاما خرج يَوْمًا وَأَبُو عبيد مَعَ ابْن مَوْلَاهُ فِي الْكتاب، فَقَالَ للمعلم: علم الْقَاسِم فانه كيس (انْظُر تَارِيخ بَغْدَاد ١٢ / ٤٠٣) .
وَقَالَ السبكى فِي الطَّبَقَات ١ / ٢٧٠: قَرَأَ الْقرَان على الْكسَائي وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وشجاع
المقدمة / 7
ابْن أَبى نصر وَسمع الحَدِيث من إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وهشيم
ابْن بشير وَشريك بن عبد الله وَهُوَ أكبر شُيُوخه وَمن عبد الله بن الْمُبَارك وأبى بكر بن عَيَّاش وَجَرِير بن عبد الحميد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وخلائق آخِرهم موتا هِشَام بن عمار، وروى عَنهُ عَبْد الله بْن عَبْد الرَّحْمَن الدَّارمِيّ، ووكيع وَأَبُو بكر ابْن أَبى الدُّنْيَا وعباس الدوري والْحَارث بن أَبى أُسَامَة وعَلى بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ وَأحمد بن يحيى البلاذري الْكَاتِب والاخرين، وتفقه على الشَّافِعِي وتناظر مَعَه فِي الْقُرْء هَل هُوَ حيض أَو طهر إِلَى أَن رَجَعَ كل مِنْهُمَا إِلَى مَا قَالَه الاخر، وَذكر أَن الشَّافِعِي أَو أَبَا عبيد رحمهمَا الله تناظرا فِي القر فَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول إِنَّه الْحيض، وَأَبُو عبيد رحمهمَا الله تناظرا فِي الْقُرْء فَكَانَ الشَّافِعِي يَقُول إِنَّه الْحيض وَأَبُو عبيد يَقُول إِنَّه الطُّهْر، فَلم يزل كل مِنْهُمَا يُقرر قَوْله حَتَّى تفَرقا وَقد انتحل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَذْهَب صَاحبه وتأثر بِمَا أوردهُ من الْحجَج والشواهد، وَإِن صحت هَذِه الْحِكَايَة فَفِيهَا دلَالَة على عَظمَة أَبى عبيد، وَلَو رَجَعَ الشَّافِعِي إِلَى قَوْله فَهُوَ يدل على مقدرته العلمية وَصِحَّة استنباطه الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة.
وَذكر أَبُو الْفَلاح عبد الحى بن الْعِمَاد الحنبلى فِي شذرات الذَّهَب ٢ / ٥٤ " قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: الْحق يجب لله، أَبُو عبيد أفقه منى وَأعلم، وَقَالَ أَحْمد: أَبُو عبيد أستاذ، ... وَقَالَ هِلَال بن الْعَلَاء الرقى: من الله سُبْحَانَهُ على هَذِه الامة بأَرْبعَة فِي زمانهم: الشَّافِعِي ولولاه مَا تفقه النَّاس فِي حَدِيث رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم، وَأحمد ولولاه ابتدع النَّاس وَيحيى بن معِين نفى الْكَذِب عَن رَسُول اللَّه صلي اللَّه عَلَيْهِ وَسلم، وأبى عبيد فسر غَرِيب الحَدِيث ولولاه اقتحم النَّاس الْخَطَأ ".
وَقَالَ أَبُو عبد الله
المقدمة / 8
ابْن طَاهِر: عُلَمَاء الاسلام أَرْبَعَة: عبد الله بن عَبَّاس فِي زَمَانه.
والشعبى فِي
زَمَانه، وَالقَاسِم بن عَمَّن فِي زَمَانه، وإبو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي زَمَانه، (انْظُر مُعْجم الادباء لياقوت ١٦ / ٢٥٧) .
سُئِلَ أَبُو قدامَة عَن الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وأبى عبيد فَقَالَ: أما أفهمهم فالشافعى إِلَّا أَنه قَلِيل الحَدِيث، وَأما أورعهم فَأَحْمَد بن حَنْبَل، وَأما أحفظهم فاسحاق، وَأما أعلمهم بلغات الْعَرَب فَأَبُو عبيد، وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي: أَبُو عبيد أَو سمعنَا علما وأكثرنا أدبا وأجمعنا جمعا، إِنَّا نحتاج إِلَيْهِ وَأَبُو عبيد لَا يحْتَاج إِلَيْنَا، وَقَالَ أَيْضا: إِن الله لَا يستحيى من الْحق، أَبُو عبيد أعلم منى وَمن ابْن حَنْبَل وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ثَعْلَب: لَو كَانَ أَبُو عبيد فِي بنى إِسْرَائِيل لَكَانَ عجبا، (تَارِيخ بَغْدَاد ١٢ / ٤٠٤)، وَتَوَلَّى أَبُو عبيد قَضَاء طرسوس ثمانى عشرَة سنة إيام ثَابت بن نصر بن مَالك، وَكَانَ يقسم اللَّيْل أَثلَاثًا صَلَاة ونوما وتصنيفا، وَكَانَ أَحْمَر الرَّأْس واللحية، يخضب بِالْحِنَّاءِ.
مصنفاته) ألف أَبُو عبيد بضعَة وَعشْرين كتابا، وَله من التصانيف كَمَا قَالَ ابْن النديم فِي فهرسته: غَرِيب المُصَنّف، غَرِيب الْقُرْآن، غَرِيب الحَدِيث مَعَاني الْقرَان، كتاب الشُّعَرَاء، الْمَقْصُور والممدود الْقرَاءَات الْمَذْكُور والمؤنث كتاب النّسَب، كتاب الاحداث، أدب القاضى، عدد آى الْقُرْآن، الايمان وَالنُّذُور، كتاب الْحيض، كتاب الطَّهَارَة الْحجر، والتفليس، كتاب الاموال، الامثال السائرة، النَّاسِخ والمنسوخ، فَضَائِل الْقُرْآن، وَله غير ذَلِك من الْكتب الْفِقْهِيَّة، وَلَكِن لم يصل إِلَيْنَا مِنْهَا إِلَّا غَرِيب الحَدِيث وغريب المُصَنّف وَكتاب الاموال وَكتاب فَضَائِل الْقُرْآن وَكتاب الامثال السائرة.
المقدمة / 9
وطبع جَمِيع هَذِه الْكتب غير غَرِيب الحَدِيث الذى وقف أَبُو عبيد حَيَاته فِي جمعه وترتيبه مُدَّة عمره وَلذَلِك اهتمت دَائِرَة المعارف بطبع موسوعة
عَظِيمَة هَذِه لاول مرّة.
وَكَانَ أَبُو عبيد إِذا ألف كتاب أهداه إِلَى عبد الله بن طَاهِر، فَيحمل إِلَيْهِ مَالا جزيلا اسْتِحْسَانًا لذَلِك، فَلَمَّا صنف غَرِيب الحَدِيث أهداه إِلَيْهِ كعادته، فَقَالَ ابْن طَاهِر، إِن عقلا بعث صَاحبه على عمل هَذَا الْكتاب لحقيق إِلَّا يحوج إِلَى طلب معاش، وأجرى لَهُ فِي كل شهر عشرَة آلَاف دِرْهَم.
وسَمعه مِنْهُ يحيى بن معِين: وَكَانَ دينا ورعا جوادا، ويروى عَن ورعه حِكَايَة نادرة فَقيل إِنَّمَا سير أَبُو دلف الْقَاسِم بن عِيسَى إِلَى عبد الله بن طَاهِر يستهدى مِنْهُ أَبَا عبيد مُدَّة شَهْرَيْن فأنفذه، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف وَصله أَبُو دلف بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَلم يقبلهَا وَقَالَ: أَنا فِي جنبه رجل لَا يحوجني إِلَى غير فَلَمَّا عَاد أَمر لَهُ ابْن طَاهِر بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فاشتهري بهَا سِلَاحا وَجعله للثغر، وَخرج إِلَى مَكَّة مجاورا فِي سنة أَربع عشرَة مِائَتَيْنِ فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ٢٢٤ هـ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: مكثت فِي تصنيف هَذَا الْكتاب أَرْبَعِينَ سنة، وَرُبمَا كنت أستفيد الْفَائِدَة من أفواة الرِّجَال فأضعها فِي موضعهَا من الْكتاب، فأبيت ساهرا فَرحا منى بِتِلْكَ الْفَائِدَة، (الوفيات ٣ / ٢٢٥)، فَيظْهر من هَذِه الرِّوَايَة أَن أَبَا عبيد كَانَ يجل أَمر الحَدِيث ويعظمه إِلَى حد أَنه كَانَ يعد جمع الحَدِيث ونوادره من الْعِبَادَات وَلذَلِك جعله من أعظم أشاغله العلمية، وَيُؤَيّد قَوْلنَا هَذَا مَا ورد عَن اهتمامه بغريب الحَدِيث.
المقدمة / 10