274

ألا ترى أن الله سبحانه إذا بعث نبيا فنسخ بعض شريعة نبي جعل له آيات ودلالات تشهد له بالنبوة والرسالة وتوجب له الطاعة كما أوجبت للأول على الأمة، ولولا هذه الآيات لوقعت ثم الشبهات، ولكن لما أن قامت الآيات للأول ثبتت له النبوة ووجبت له على الخلق الطاعة، ولما أن دعا الآخر إلى نفسه وأعلمهم بنبوته لم يجب له من الطاعة ما وجب للأول إلا أن يأتي بمعجزة يعجز عنها الخلق تشهد له أنه من الله مرسل كما شهدت الآيات للأول بذلك سواء سواء، فإذا ثبت الآيات وبانت الدلالات وجبت الطاعة والتسليم للحكم، ولما جاء به المرسل من الأمر.

والأئمة فإنما هي تعمل وتقتدي بكتاب الله وسنة نبيه لا يزلون منهما ولا يعدلون ساعة عنهما فإذا قاموا بذلك فهم الأئمة المفروضة طاعتهم، وإذا خالفوا ذلك فليسوا ممن حكم له بطاعة ولا ثبت لهم من الله سبحانه ولاية، وإنما تختلف الأئمة في غير الحلال والحرام في الشرح والكلام ولكل إمام في عصره نوازل تنزل به وعليه فيحكم فيها بما يوفقه الله له فيستنبطها من كتاب الله وسنة نبيه، أو حجة العقل التي يستدل بها على غامض الكتاب ويستخرج بها الحق والصواب، ولو نزلت هذه المسألة بالأول يستخرجها الآخر.

والأئمة مؤتمنة على الخلق قد أمرهم الله بحسن السيرة فيهم والنصح لهم فلعلها أن تجري في عصر الإمام بسبب من أسباب الرعية يحكم فيه بالصواب الذي يشهد له به الكتاب، ثم تنزل تلك النازلة في عصر آخر من الأئمة لا يمكنه من إنفاذ الحكم فيه ما أمكن الأول فيكون بذلك عند الله معذورا، كما فعل صلى الله عليه في غنايم حنين، فكان في ذلك صلاح للإسلام والمسلمين، ففعل صلى الله عليه ما كان أفضل وأصلح عند رب العالمين؛ إذ كان الإسلام ضعيفا، والعرب في أول إسلامها على يقين من نياتها.

পৃষ্ঠা ২৮১