233

ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}[الإسراء:106]، قال: {فرقناه}، أي أنزلناه شيئا شيئا، والمكث: فهو المدة؛ لأن التوراة أنزلت على موسى مرة واحدة مكتوبة في الألواح، وكان موسى عليه السلام يقرأوها [ويستخرجها](1)، كذلك الإنجيل أنزل مرة واحدة على عيسى صلى الله عليه، ومحمد صلى الله عليه كان أميا ليس يقرأ إلا على ظهر قلبه، فلو أنزل القرآن مرة واحدة في الألواح كما أنزلت التوراة والإنجيل، ومحمد صلى الله عليه فلم يكن يقرأ الكتب السالفة ولا يخط(2) بيده، وعند كونه كذلك فلو نزل عليه مجملا في الألواح لاحتاج إلى من يقرأه عليه ويبينه ولو كان كذلك لوقع الشك والارتياب إذ المعبر له غيره والمبين(3) سواه.

ولو كان صلى الله عليه يقرأ ويكتب لكان الأمر كما ذكر الله عز

وجل في كتابه من شك المبطلين، حين يقول: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}[العنكبوت:48]، فكان إتيان النبي صلى الله عليه بالقرآن المعجز للخلق وهو لا يكتب ولا يقرأ دلالة عظيمة وآية في نبوته باهرة، فأنزل الله عليه القرآن شيئا فشيئا لما أراد الله عز وجل من تدبيره وحكمته وتثبيته في قلبه فجعله للخلق شفاء ونورا وهدى وجلاء للصدور ومبينا لما التبس من جميع الأمور، فلن(4) يضل من تعلق به، ولا يتحير أبدا من استضاء بنوره، نسأل الله أن يجعله لنا ولكم نورا وهدى وشافيا ومعينا برحمته.

পৃষ্ঠা ২৪০