وكان مهرة الصناع قد نقضوا قبل تنظيف المكان ما رأوا حاجة إلى نقضه من العمد، ثم أعادوها بعد صب الرصاص فيها وجعلوها قوية قوة دهش لها السمهودي، وبعد التنظيف أقاموا بناء الحجرة حول مربعها الذي كان عمر بن عبد العزيز أقامه، وجعلوا عليها قبة مكان القبة التي سبقتها والتي لم تقاوم عمل الزمن؛ لأنها كانت من خشب، أما في هذه العمارة فقد بنيت من الحجر الأسود وكملت من الحجر الأبيض.
وبعد زمن من تمام بناء الحجرة سقطت الصاعقة التي ذكرنا نبأها في فصل المسجد النبوي على مئذنته الرئيسية فامتد الحريق إلى المسجد كله، أما الحجرة فلم تحترق، على أن هذا الحريق قد ترك أثرا في القبة إذ تشققت أعاليها، وقد أعيد بناؤها محكما بعد أن أخذ لها الجبس الأبيض من مصر، وتم ذلك في سنة 892 هجرية، وكتب على طرازها من الناحية الغربية: «أنشأ هذه القبة الشريفة العالية المعترف بالتقصير؛ الراجي عفو ربه القدير؛ قايتباي.» وبقيت القبة من ذلك العهد إلى أن جددها السلطان محمود بعد أن هدم أعاليها في سنة 1233، وهو الذي أمر بصبغها باللون الأخضر.
ليس يسعنا وقد تحدثنا عن عمارة الحجرة أن نغفل أمرا حدث أثناء ذلك له بهذه العمارة اتصال، ذلك ما تذكره الروايات وتنسبه إلى نور الدين الشهيد محمود بن زنكي الذي كان يحارب الصليبيين في القرن السادس الهجري، فقد ذكروا من أنباء سنة 557ه أنه رأى في نومه رؤيا أفزعته: رأى النبي
صلى الله عليه وسلم
يشير إلى رجلين أشقرين وهو يقول: أنجدني، أنقذني من هذين، ثم توضأ نور الدين وصلى ونام فرأى ما رأى من قبل وقام فزعا، وتوضأ وصلى ونام فرأى ذلك مرة ثالثة، وكان له وزير من الصالحين يقال له: جمال الدين الموصلي أرسل في طلبه وقص عليه ما رأى، قال الوزير: وما قعودك ؟! اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتم ما رأيت، وتجهز الملك بقية ليلته وخرج على رواحل خفيفة ومعه وزيره وعشرون رجلا، فوصلوا المدينة في ستة عشر يوما، وبعد أن اغتسل الملك وتوضأ وصلى ركعتين بالروضة جلس لا يدري ما يصنع، واستدعى أهل المدينة وأخبرهم أنه جاء للزيارة ومعه مال كثير للصدقة، وسألهم بعد أن وزع المال: أبقي أحد لم يأخذ منه حظه؟ قالوا: لم يبق إلا رجلان مغربيان صالحان غنيان لا يأخذان من أحد شيئا، ويكثران الصدقة على المحاويج، وجيء بالرجلين فرآهما يشبهان من أشار إليهما النبي
صلى الله عليه وسلم
في المنام.
وتظاهر الرجلان بالصلاح وأنهما جاءا إلى المدينة يجاوران القبر النبوي، وشهد أهل المدينة بأنهما صائمان الدهر، ملازمان الصلوات في الروضة، وزيارة الحجرة كل صلاة، وزيارة البقيع كل يوم بكرة، وزيارة قباء كل سبت، وأنهما لا يردان سائلا، لكن نور الدين لم يطمئن إليهما، وذهب إلى بيتهما فرأى فيه مالا كثيرا، ثم إنه جعل يجوس خلاله إذ رفع حصيرا فيه فرأى سردابا محفورا متجها صوب الحجرة ... وارتاع الناس حين علموا ذلك وأحاطوا بالرجلين لما جيء بهما إلى نور الدين يسائلهما أن يصدقاه، وضربهما ضربا مبرحا، فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما الصليبيون في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بأموال عظيمة، وأمروهما بالتحيل لسرقة جثة النبي، هنالك أمر نور الدين فضرب عنقاهما، ثم أمر بحفر خندق عظيم حول الحجرة من كل جوانبها حتى بلغ الحفر الماء، وأمر بإذابة رصاص ملأ به الخندق، فصار منه حول الحجرة إلى الماء سور متين لا يستطيع أحد اجتيازه.
هذه رواية السمهودي عن هذا البناء، ويروي البتانوني في الرحلة الحجازية أن نور الدين زنكي بلغه أن الصليبيين الذين كان مشتغلا بمحاربتهم كانوا يعملون لسرقة الجثة الشريفة، فأمر بإحاطة الجثة ببناء آخر نزل بأساسه إلى منابع الماء، ثم صب الرصاص على دائرة حتى صار بحيث لا يمكن أن تنال منه يد الزمان، وذكر صاحب مرآة الحرمين مثل هذا، وقد وضع على هذا البناء، على ما ذكر البتانوني، ستر من الحرير الأخضر مكتوب فيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» يحيط بها أحجبة مكتوب فيها قوله - تعالى:
ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وفيما بين ذلك دوائر مكتوب فيها أسماء النبي
অজানা পৃষ্ঠা