وبكت نساء المدينة القتلى، وسمع رسول الله نساء بني عبد الأشهل يبكين قتلاهن، فقال متوجعا: «لكن حمزة لا بواكي له.» فسمع ذلك معاذ بن عبد الأشهل فساقهن إلى باب رسول الله فبكين على حمزة، فدعا لهن وردهن، فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك اليوم على ميت إلا بدأت بالبكاء على حمزة ثم بكت ميتها.
هذا حمزة الذي نقف الآن على قبره تجاه أحد، والذي يؤمه كل من قصد المدينة للزيارة، وقبر حمزة ليس كغيره من القبور في هذا العهد الوهابي، فهو ليس مسوى بالأرض، بل يقوم فوقه بناء أسطواني من حجر ضارب إلى السواد يرتفع على الأرض نحو الذراع، ولم أعجب إذ عرفت أن الحكومة الحاضرة أقامت هذا البناء بعد أن هدمت القبة التي كانت قائمة على القبر، فهذه الصفات في حمزة: صفات البطولة والإباء والاستشهاد في سبيل الله، تثير في كل نفس أسمى المعاني، وتقفها أمام صاحب هذه الصفات موقف الإجلال والإكبار، ذلك ما يتفق فيه الناس جميعا، لا تفاوت بين البدوي الذي يقضي حياته مرتحلا في البيداء، ومن بلغ من الحضارة والعلم وتهذيب النفس كل غاية، ولم يختلف اثنان على ما كان لحمزة من هذه الصفات، ولم يكن حمزة يوما موضعا لدعاية سياسية طمعا في حكم أو سلطان؛ لذلك كانت المعاني المتصلة بصفاته طاهرة مبرأة من كل غاية؛ ولذلك أثارت الإعجاب من كل نفس والإكبار في كل قلب، وكانت شفيعا لقبره حتى عند الوهابيين.
وذهبت أمتثل حمزة وهذه الصفات فيه وأنا واقف على القبر أجيل بصري في الميدان الفسيح حولي، هذا رجل آتاه الله من فضله بسطة في القوة، ومهابة في القلوب، ونعيما بالحياة ومحبة من الناس، وكان له أن يستمتع وهذه صفاته برفه العيش وطمأنينة البأس، وأن يستريح إلى مكانته من قومه واحترامه فيهم، لكنه لم يطب نفسا بعبادة قومه الأصنام، ولم يطق أن يسب أبو جهل الوثني ابن أخيه الداعي إلى الله، فضرب أبا جهل فشجه وأعلن على ملأ الناس إيمانه، ولا يقولن أحد: إن النعرة العصبية أو العزة العربية هي التي دفعته إلى ما صنع، فلقد كان أعمام النبي جميعا عربا لهم عزة وفيهم نعرة، وطالما آذت قريش ابن أخيه فغضبوا ومنعوه ولم يؤمن مع ذلك منهم أحد، لكنه الإيمان الذي امتثلته نفس حمزة هو الذي دفعه إلى ما صنع، وهل مثل حمزة في بسالته واستهانته بالموت من يقول لأبي جهل وهو من هو مكانة في قومه بعد أن شجه لسبه محمدا: «أتسبه وأنا على دينه أقول ما يقول؟!» إلا أن يكون صادق الإيمان؟ بلغ من امتثال قلبه رسالة الله إلى نبيه ألا يطيق تعريض أحد به ، ومن يومئذ وهب حمزة حياته لله وللدفاع عن دينه؛ لأنه أيقن أن هذا الدين هو المثل الأعلى الذي توهب الحياة في سبيله.
وكل يفتدي بحياته مثله الأعلى في الحياة؛ فالبخيل الذي يعبد المال يضحي بحياته دفاعا عن ماله، والمدله بالعشق يضحي بحياته دفاعا عن محبوبته، والفلاح أو الصانع يضحي بحياته دفاعا عن رزقه، والأب البار يضحي بحياته لأبنائه، والحيوان يضحي بحياته دفاعا عنها وعن كل ما يقيمها، وإنما يتفاوت الناس في درجات السمو بتفاوت مثلهم الأعلى في درجاته، فما اتصل بالطعام والشراب وكل ما يقيم الحياة مثل أعلى للحيوان ولمن لم يسم على مرتبته إلا قليلا من بني الإنسان، وكلما ازداد المرء سموا ازداد مثله الأعلى تنزها عن الأثرة واتصالا بالغايات الاجتماعية والوطنية والروحية، والإيمان الصادق أسمى صورة للمثل الأعلى، فلله المثل الأعلى، بنوره يتحاب الناس بينهم، لا تفرقهم الألوان ولا الأوطان ولا اللغات ولا الأجناس ولا الأديان، والاستشهاد في سبيل الله استشهاد في سبيل هذا المثل الأعلى، يريد صاحبه أن تبلغ الإنسانية غاية ما يستطاع من السمو الروحي، وأن يبلغ بها تبادل الحب غاية الرضا، وأن تصبح بذلك وحدة تعمل لغاية مشتركة وإن اختلفت أممها وأجناسها، كما تعمل أعضاء الجسم كلها لغاية واحدة وإن اختلف شكلها واختلفت وظائفها، أين من يدرك هذا المعنى ثم لا يستشهد في سبيله؟! وقد أدركه حمزة بن عبد المطلب فاستشهد في سبيله.
والموت في سبيل هذا المثل الأعلى هو وحده الاستشهاد، والذين يهبون أنفسهم له هم دون غيرهم الشهداء؛ ذلك بأن الملأ جميعا يشهدهم ويشهد أنهم يؤثرونه على أنفسهم وعلى هذه الحياة الدنيا، والله يرضى عنهم ويقول لهم:
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، وحياة هؤلاء عند ربهم ليست كحياة هذه الدنيا؛ طعام وشراب وأثرة وشحناء، بل حياة روحية راضية مرضية، مضيئة بالحب متصلة بالله، ومشرقة بنور وجهه الكريم، أليست حياة سبيلها وغايتها للمثل الأعلى؟! أوليس المثل الأعلى لله؟! وأولئك الشهداء رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه.
قل من الناس من يذكر هذا أو يدركه حين يزور قبر حمزة ويقف عليه، بل إن منهم لمن يشرك حمزة في قدرة الله، أو يتخذه وسيلة إليه، كان لحمزة قبر ومسجد هدمهما الوهابيون، ولقد كان على القبر الذي بالمسجد لوحة فيها هذان البيتان:
قف على أبوابنا في كل ضيق
واطلب الحاجات وابشر بالمنى
فحمانا ملجا للطالبين
অজানা পৃষ্ঠা