فإن الماء ماء أبي وجدي
وبئري ذو حفرت وذو طويت
ثم صحوت فقلت: أتندب كل طلل مررت به، وتبكي كل شيء رأيته، وتحزن في معاهد الفرح، وتنقبض في مغاني المرح؟ من أجل هذا تمنيت - قبل - أن أخلع نفسي، ووالله لو أمكنتني الفرصة ثانية ما ترددت، ولسمحت وما حرصت، فقد برمت بها وعجزت عن حملها.
هيا إلى البحر! فهناك الفرح والمرح، وهناك يضحك الناس له ويضحك لهم، ويداعبون أمواجه وتداعبهم، وأحيانا ينسون جلاله فيصفعهم ! فيه الحياة، وفيه القوة، وفيه العظمة، وفيه أكبر مظهر لطاحون العالم، تطحن دائما، وتطحن ناعما!
بين الصحف والكتب
هنالك حرب عوان بين الصحف والمجلات من ناحية، والكتب من ناحية أخرى. وهذه الحرب لا نراها ولا نشعر بها؛ لأنه ليس لها صليل السيوف ولا دوي القنابل، ولكنها مع صمتها شديدة قوية، يراها المفكر ويرتاع لمنظرها، ويعجب من هجومها ودفاعها؛ هي أشبه ما تكون بالحروب الاقتصادية، كالحرب بين السلع اليابانية والسلع الأوربية، وكالحرب بين الثقافة الإنجليزية والثقافة الفرنسية، تغيب عنك في كثير من الأحيان وسائلها، ولكن تبدو - في وضوح تام - نتائجها.
والحرب بين الصحف والكتب تدور على القراء؛ فهم ميادين القتال، وهم المستعمرات التي تحاول كل ناحية أن تشملها بنفوذها، وتبسط عليها سلطانها، وتأخذ صكا عليها بالاحتلال، أو كما يعبرون عنه باللغة الحديثة «الانتداب»، وحددت كل طائفة مطالبها واطمأنت إليها.
هناك طائفتان خرجتا من دائرة النزاع، وهما الطائفة المثقفة ثقافة دنيا، والطائفة المثقفة ثقافة عليا؛ فأما الأولى فقد احتلتها الصحف والمجلات وكسبتها كسبا نهائيا؛ وهم بهذا الاحتلال راضون مطمئنون لا يضجون بشكوى ولا يرفعون احتجاجا، ولا ينادون باستقلال، وقد يئست منهم الكتب وأخرجتهم من منطقة نفوذها، واعترفت بهزيمتها أمامهم هزيمة منكرة؛ هؤلاء هم طبقة العمال ومن في درجتهم، وتلاميذ المدارس الذين لم يتموا دراستهم، والطبقة الغالبة من الآنسات والسيدات المثقفات إلى حد ما. وأما الطائفة الأخرى وأعني بها المثقفين ثقافة عليا، فلا غنى لهم عن الكتب؛ لأنهم يرونها غذاءهم الدسم وعمادهم في حياتهم الفكرية، وهي التي تحقق مطالبهم، وتحاول أن تحل لهم ما يعرض لهم من مشكلات عقلية؛ وهؤلاء أمثال رجال الجامعات والقضاة والفلاسفة والأدباء والعلماء ومن يتصل بهم ومن ينهج منهجهم، ويعد نفسه للوصول إلى درجتهم؛ وهم يقرأون الصحف لأخبارها والمجلات لطرافتها، واعتمادهم الحقيقي في علمهم وأدبهم على الكتب غالبا.
وبين هاتين الطبقتين طبقات لا عداد لها هي محل الحرب بين الصحف والكتب، وهي موطن النزاع، وهي الغرض الذي يرمي إليه كل للاستيلاء عليه؛ والحرب على هذه الطوائف سجال، يوما تنتصر المجلات والصحف فتشعر الكتب بالفشل، ولكن سرعان ما تتخذ التدابير للهجوم، ويوما تنتصر فيه الكتب فتشعر الصحف بلذعة الهزيمة ثم تستعد للوثبة، وهكذا دواليك.
ولكل جبهة من هذين المعسكرين وسائل للقتال وآلات للحرب، تقوم لها مقام الطيارات والغواصات والدبابات والغازات الخانقة في الحروب البدنية. وأنا أسوق لك طرفا قليلا من هذه الوسائل:
অজানা পৃষ্ঠা