قالت فلورندا: «فلنصعد.» ولملمت أثوابها مشمرة وهرولت إليه، فعلت ذلك لشدة رغبتها في الوصول والاستراحة وإرسال شانتيلا لاستطلاع الأخبار من طليطلة عن مصير ألفونس وعن حال أوباس، ورأي رودريك في فرارها ... كذلك هرولت العجوز وشانتيلا بين يديهما حتى وصلوا إلى الدير، فإذا هو في ساحة في سفح ذلك الجبل، وهو بناء قديم العهد غريب الشكل، حوله سور من الحجارة الضخمة الكبيرة، وربما زادت مساحة ذلك الدير على ثلاث قصبات أو أربع، وشكله مربع طوله نحو خمسمائة قدم، والسور عظيم الارتفاع ليس فيه من النوافذ سوى شقوق مستطيلة في أعلاه، وباب واحد في أحد جوانبه، والباب صغير جدا بالنسبة إلى ضخامة ذلك السور، يراه الناظر كالنقطة في الصفحة. وفي أعلى السور فوق ذلك الباب برج حصين كأنه قلعة، وهو مكان للمراقبة يقيم فيه حارس الباب.
وقفت فلورندا وخالتها وشانتيلا وهم يلهثون من التعب ويعجبون من منظر ذلك الدير، فلما استراحوا قال شانتيلا: «هل تأذن مولاتي بأن أقرع الباب وأستأذن في الدخول؟»
قالت: «افعل.»
فتقدم شانتيلا حتى وقف بالباب، فإذا هو مصفح بالحديد تصفيحا متينا، وقد استدل على سمك ذلك الحديد من ضخامة رءوس المسامير التي كانت بارزة فوق سطح الباب، ولا يزيد ارتفاع الباب على قامة الإنسان إلا قليلا، فتفرس في جوانبه لعله يرى حلقة يدق بها فلم يجد شيئا، ثم وقع بصره على حبل مرسل من ثقب في أعلى الباب نحو الخارج، فأمسكه وشده فسمع جرسا يدق في الداخل فعلم أنه قد أصاب، ثم انتظر بعد الدق هنيهة فرأى رأسا أطل من نافذة صغيرة في البرج المذكور، وقد كساه شعر ناصع البياض حتى لم يظهر من وجهه إلا أنف بارز، وعينان تتلألآن في غورين فوقهما حاجبان بارزان، وفوق الحاجبين جبين أصبحت تجاعيده كالميازيب أو الأخاديد. أطل الشيخ برأسه ولبث برهة لا يتكلم، فلم يصبر شانتيلا على سكوته لعلمه بما ألم بفلورندا من التعب فصاح فيه: «أما من مأوى عندكم للغرباء ولو إلى حين؟»
وما أتم شانتيلا كلامه حتى تراجع الشيخ من النافذة واختفى ولم يبد جوابا، ولم تمض برهة حتى سمعوا قلقلة مفتاح وراء الباب توسموا منها قرب الفرج. وطال زمن القلقلة ثم سمعوا صريرا فتدانوا إلى الباب يتوقعون فتحه، فإذا هو لا يزال مغلقا فلبثوا ينتظرون، فعادت القلقلة ثم سمعوا الصرير ولم ينفتح شيء فملوا الانتظار وخشوا أن يكون وراء ذلك ما يوجب الخوف ولا سيما فلورندا، فإنها كانت واقفة وبصرها مثبت على ذلك الباب.
وأما العجوز فقد كانت جالسة على حجر وقد ذبلت عيناها من أثر التعب من مسير ذلك اليوم حتى كادت تنام، وإذا بصرير عنيف استرعى انتباهها، فنظرت فرأت الباب ينفتح بتثاقل كأن فاتحه يجر ثقلا كبيرا، فظلت فلورندا في مكانها وتقدم شانتيلا نحو الباب، فاستقبله ذلك الشيخ وعليه لباس الرهبان في أبسط أحواله، وهو رداء أشبه شيء بالعباءة يستر بدنه إلى الركبة، وساقاه عاريتان، وقدماه حافيتان، وقد أصبح أخمصاهما كالنعال لطول ما مر بهما من مصادمة الأحجار والاحتكاك بجذوع الأشجار. خرج الشيخ الراهب وبيده عكاز أعقف الطرف قبض على عقفته بأنامل كأنها عظام عارية، وقد تصلبت مفاصلها ونتأت من أعلى الكف، حتى أصبح بسط تلك الكف مستحيلا، وكأنها خلقت للقبض على ذلك العكاز، وما زالت قابضة عليه حتى تصلبت وهي متقبضة.
وكانت تلك العباءة قصيرة الأكمام، وقد ظهر كوع الراهب وقد خشن جلده حتى لتحسبه إذا نظرت إليه كأنه أخمص القدم، وكأن الشيخ قضى عمره يدب على أخمصيه وكوعيه.
فترة انتظار
أطل الشيخ عليهما وظل واقفا بالباب، فأسرع الجميع إليه وأولهم شانتيلا فإنه نزع قبعته عن رأسه وهم بيد ذلك الشيخ فقبلها وفعلت ذلك فلورندا وخالتها.
فقال الراهب الشيخ، وفي نغمات صوته خشونة البرية: «ما الذي جاء بكم إلى هذا المكان؟»
অজানা পৃষ্ঠা