وكان قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بها ليوم سماه لهم، وأن يستخلفوا على أعمالهم، فلما عرفوا مقدمه صاروا إليه يتقدمهم يزيد بن أبي سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد على الجند في عرض يأخذ بالنظر، ورآهم عمر مقبلين عليهم الحرير والديباج، فغلى الدم في عروقه لمرآهم، فنزل عن فرسه وأخذ الحجارة ورماهم بها وصاح مغضبا: «سرع ما لفتم عن رأيكم! إياي تستقبلون في هذا الزي! وإنما شبعتم منذ سنتين، وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم.» واعتذر أمراء الجند قائلين: «يا أمير المؤمنين إنها يلامقة وإن علينا السلاح.» ورأى عمر سلاحهم فخفف مرآه من ثورة غضبه فقال: «فنعم إذن.» وركب حتى دخل الجابية وسار القوم في صحبته.
وبينما عمر معسكر بالجابية فزع الناس إلى السلاح إذ رأوا خيلا مقبلة عليها الفرسان في أيديهم السيوف، فتبسم عمر لمرآهم وقال: مستأمنة، لا تراعوا وأمنوهم، وكان هؤلاء رسل صفرنيوس أسقف بيت المقدس جاءوا يتمون الصلح مع أمير المؤمنين، وصالحهم عمر على صلح دمشق، بل على صلح أكثر منه سخاء، وكتب معهم كتابا أورد الطبري نصه كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانها وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ؛ إنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم أن يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، وإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
وختم عمر الكتاب بتوقيعه، ثم أشهد خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان.
رجع رسل صفرنيوس بالكتاب إلى بيت المقدس فاغتبط به الأسقف واغتبط به أهل المدينة جميعا، وكيف لا يغتبطون وقد أقرهم المسلمون وأمنوهم على أموالهم وأنفسهم وعقائدهم، لا يضار أحد منهم بسبب دينه، ولا يكره على شيء في أمره! وكيف لا يغتبطون وقد أباح هذا العهد لمن شاء من أهل المدينة أن يرحل عنها مع الروم، وأباح لمن شاء من الروم ومن الأجانب المقيمين بالمدينة أن يظلوا بها آمنين، ثم لم يفرض عليهم غير الجزية يؤدونها لقاء منعهم وكفالة أمنهم! أين هذا مما كان يريد هرقل أن يكره أهل المدينة عليه من ترك مذهبهم إلى مذهب الدولة الرسمي فمن أبى جدع أنفه، وصلمت أذناه، وهدم بيته! ألا إن هذا الصلح لعهد جديد فتح الله به على النصارى من أهل بيت المقدس، وهو عهد لم يتهيأ لهم في التاريخ ولم يكن لهم رجاء قط في مثله.
وترامت أنباء هذا الصلح إلى أهل الرملة، فتطاولت أعناقهم يريدون أن يعقدوا مع أمير المؤمنين صلحا مثله، وكذلك كان شأن غيرهم من أهل فلسطين، وقد ظفر أهل اللد من عمر بكتاب جرى عليهم وعلى البلاد التي دخلت من بعد معهم فيه، وفي هذا الكتاب أعطى عمر أهل اللد أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، وألا يكرهوا على دينهم، ولا يضار أحد منهم، على أن يعطوا من الجزية ما يعطي أهل مدائن الشام، ولما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله أقام على فلسطين رجلين جعل لكل منهما نصفها؛ فلعلقمة بن حكيم الرملة وما معها، ولعلقمة بن مجزز إيلياء وما معها.
أتم عمر صلح فلسطين فصرف أبا عبيدة وخالدا ومن جاء معهما من شمال الشام كلا إلى عمله،
6
ثم إنه أراد الذهاب إلى بيت المقدس مستصحبا عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فوجد فرسه لا يزال يتوجى، فجيء ببرذون فركبه، فلما سار جعل البرذون يتخلع به وتصلصل جلاجله، فكره عمر ذلك منه، فنزل عنه وضرب وجهه بردائه وقال: «قبح الله من علمك هذا من الخيلاء!» ولم يركب برذونا قبله ولا بعده، وأقام أياما جم في أثنائها فرسه فركبه ودخل بيت المقدس، وتلقاه البطريق صفرنيوس وكبراء المدينة فتلطف بهم وأدناهم، وتحدث إليهم حديثا أدخل محبته في قلوبهم؛ فقد رأوا منه الصدق فيما أعطاهم من أمان على أنفسهم وعقائدهم ومعابدهم، ورأوا منه حبا للحق والعدل أين منه ما كان في عهد قيصر من بطش واضطهاد! وأمسى الوقت وانصرف القوم على أن يلقوه صبح الغد، فلما خلا عمر بنفسه صلى شكرا لله على ما أنعم به عليه.
وأية نعمة أكبر من أن يكون فاتح بلد المسجد الأقصى وخليفة رسول الله في الصلاة به! لقد أنعم الله على عبده ورسوله فأسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته، فلما بلغ
অজানা পৃষ্ঠা