وبعض هؤلاء قد اتخذ له «إلها» اصطفاه على حسب المثل العليا التي يتمثل بها الإله.
وبعضهم يدين بعقيدة بشرية أرضية لا محل فيها لما وراء الطبيعة، ولا تخرج عن كونها نخبة من قواعد الأخلاق وبرامج الإصلاح.
وبعضهم يفسر الدين الذي يؤمن به قومه تفسيرا يوائمه ويخالف ما اعتقده قومه من المراسم والعبادات.
وكلهم - في جملة آرائهم ومذاهبهم - يدلون على شيء واحد: وهو أن الإيمان - كما قلنا في خاتمة كتابنا عن الله - ظاهرة طبيعية في هذه الحياة؛ «لأن الإنسان غير المؤمن إنسان غير طبيعي فيما نحسه من حيرته واضطرابه ويأسه وانعزاله عن الكون الذي يعيش فيه، فهو الشذوذ وليس هو القاعدة في الحياة الإنسانية وفي الظواهر الطبيعية، ومن أعجب العجب أن يقال: إن الإنسان خلق في هذا الكون ليستقر على إيمان من الوهم المحض أو يسلب القرار.»
وقد راجعنا كثيرا من هذه العقائد المبتدعة أو العقائد الفردية فما وجدنا بينها عقيدة واحدة يدعي لها صاحبها أكثر من دعواه أنها تناسبه وتريحه، أو أنها خير ما يناسبه ويريحه، إن لم يكن بد من الاعتقاد، ولكنهم لا يدعون لها أنها عقيدة صالحة للجماعات البشرية، في أطوار متعددة، وأجيال متعاقبة، ولا يدعون أن هذه الجماعات البشرية تستغني عن كل اعتقاد موروث؛ لأنهم - وهم آحاد - بحثوا لأنفسهم عن اعتقاد، أو شعروا بخيبة الرجاء؛ لفوات حظهم من الاعتقاد.
وكل مقابلة بين العقائد الفردية التي من هذا القبيل وبين عقائد الجماعات البشرية تنتهي بنا إلى التفرقة بينها بهذه الفوارق التي لا مناص منها؛ وهي: أن عقيدة الفرد ترجع إليه في تفسيره وتوضيحه وأسلوبه في فهم الأمور بالحقيقة أو المجاز.
أما عقيدة الجماعة فلا مناص فيها من ملاحظة شرائط لا تدعو الضرورة إليها كلها في تلك العقائد الفردية.
ومنها أن دين الجماعة لا يخلو من المجاز؛ لأنه يوحي إليها بالمغيبات المحجوبة، ويقرب إليها المعاني الأبدية التي تمتزج بالضمير، ولا تستجيش الحس إلا إذا اشتملت على مخيلاتهم واقترنت بما يعهدونه من المألوفات والمشاهدات.
ومنها أن دين الجماعة يعم الخاصة والعامة والمجتهدين والمقلدين، ولا يؤدي غرضه الأسمى إذا قطع فريقا من هؤلاء عن فريق.
ومنها أن دين الجماعة لأجيال كثيرة وليس لجيل واحد، وفي هذه الأجيال الكثيرة يتسع المجال لكثير من المستحدثات في العلم، وكثير من الغير والأطوار في مبادئ الأخلاق ومشارب الأذواق.
অজানা পৃষ্ঠা