وقد شغلت تعاليمهم جزءا غير قليل من علم الكلام عند المسلمين، يذكرون آراءهم ويعنون بالرد عليها، فضلا عن أن هؤلاء المانوية أثاروا مسائل كثيرة كالبحث في المعاد، هل هو بالأجسام أو بالأرواح، أخذ المسلمون يتجادلون فيها وينحازون إلى طوائف.
هناك مسألتان جديرتان بالبحث: (الأولي):
لم اضطهدت المانوية قبل الإسلام وفي الإسلام؟
وقد أشرنا إلى الجواب عنها فيما تقدم، فالذي دعا بهرام إلى قتله هو وأصحابه الناحية العملية؛ فقد كان زردشت يدعو إلى العمل، وكان في تعاليمه مؤيدا للقومية والنزعة الحربية، مما يتفق وميول فارس إذ ذاك، وعلى العكس من ذلك تعاليم ماني، فهي أميل إلى الزهد والرغبة عن ملاذ الحياة واستعجال الفناء، وهي - لا شك - في منتهى الخطورة لمملكة حربية كفارس، ويؤيد هذا ما جاء في الآثار الباقية: «أن بهرام قال: إن هذا خرج داعيا إلى تخريب العالم، فالواجب أن نبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له شيء من مراده»، أضف إلى ذلك أنهم فوق تعاليمهم هذه كانوا - على ما يظهر - جادين في الدعوة إلى مذهبهم، يتسترون بالإسلام أو النصرانية لتتسنى لهم الدعوة، ويكونوا بمأمن من الاضطهاد. (المسألة الثانية):
أنا نرى كلمة الزندقة كثيرا ما يوصف بها أتباع ماني، فهل هي خاصة بهم؟
الظاهر من عبارات ابن النديم أن الزنادقة كلمة تطلق على أصحاب ماني ومعتنقي مذهبه، وليست كلمة عامة تطلق على كل كافر أو ملحد، ونرى الخياط المعتزلي في كتابه «الانتصار» يستعملها للدلالة على فرقة خاصة قرينة لليهود والنصارى، فيقول مثلا: «قال ابن الراوندي: وزعم ثمامة أن أكثر اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة والدهرية يصيرون في القيامة ترابا، ولا يدخلون الجنة ... إلخ»، وقد استعمل الخياط هذه الكلمة في كتابه نحو خمس مرات كلها في مثل هذا التعبير.
ويقول ابن قتيبة في كتابه «المعارف» عند كلامه على أديان العرب في الجاهلية: «كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ وكانت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ وكانت المجوسية في تميم منهم زرارة، وحاجب بن زرارة ومنهم الأقرع بن حابس، كان مجوسيا؛ وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة» وظاهر من تعبيره هذا أن الزندقة التي يعنيها دين خاص من أديان الفرس بدليل قوله: إنهم أخذوها من الحيرة، والحيرة كانت تحت حكم الفرس كما علمت، وقريب من هذا ما قاله الجوهري في الصحاح: «الزنديق من الثنوية وهو معرب، والجمع الزنادقة، وقد تزندق، والاسم الزندقة»، فظاهر من هذا أن الزندقة مذهب خاص كاليهودية والنصرانية، وأن استعماله في معنى الإلحاد على العموم إنما هو معنى حدث بعد، جاء في لسان العرب: «الزنديق القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب «زندكر» أي: يقول ببقاء الدهر، وقال أحمد بن يحيى: ليس في كلام العرب زنديق، فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة، قالوا: ملحد ودهري»، ولكن هل هو يطلق على كل الثنوية أو على مذهب خاص من الثنوية كالمانوية فقط؟ الظاهر من كلام ابن قتيبة أنه يطلق على مذهب خاص، بدليل أنه قابلها في كلامه بالمجوسي، فذكر أن تميما تمجست، وقريشا تزندقت، ولو كان يريد من الزندقة الثنوية على العموم لما كان هناك معنى للمقابلة، ويؤيده ما في الصحاح: «الزنديق من الثنوية» ولم يقل «الزنادقة الثنوية»، ولكن هل يطلق اللفظ على المانوية فقط؟ حكى الألوسي عن ابن الكمال أنه يطلق على المزدكية، وأن مزدك ألف كتابا اسمه «زند» وأن المزدكية غير المانوية، وهذا خطأ، فإن مزدك لم يضع، «زند»، وإنما شرح كتاب «افستا» لزردشت.
ويقول بعضهم: إن كلمة زنديق في الأصل، معناها بالفارسية الذي يتبع زند، ثم أطلق على المانوية؛ لأنهم كانوا يأخذون زند وغيره من الكتب المقدسة، ويشرحونها على مذهبهم بطريقة التأويل، ويقول الأستاذ «بيفان»: إنا نرى من كلام الفهرست، والبيروني أن المانوية يطلقون كلمة «السماعين» على من لم يرقوا إلى الدرجة العليا من المانوية، ولم يلتزموا أن يؤدوا كل الواجبات التي تفرضها الديانة من رهبانية وزهد ... إلخ، ويقابلهم «الصديقون» وهم الراقون الملتزمون بأداء تلك الواجبات، يفضلون الفقر على الغنى، ويزهدون في العالم وشئونه، وكلمة صديق عربية، ولها أصل آرامي وهو صديقي
Saddiqai
فقد أخذها الفرس فحوروها إلى زنديق فوضعوا ند
অজানা পৃষ্ঠা