ডুমুক বলিৎসু
دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تنشر لأول مرة
জনগুলি
سألتها في يوم آخر: من أين عرفت أنه شاعر؟
قالت البائعة: زبون دائم عندي، في يوم فتح مجلة وأشار لصفحة فيها وقال في فرح الأطفال: الحمد لله، نشروا قصيدتي. قالت له البائعة: شعر؟ يعني حضرتك ما شاء الله شاعر؟
ابتسم ومضى يقرأ قصيدته في سره وهتف غاضبا: كلها أخطاء مطبعية. قالت له البائعة: بركة دعا الوالدين.
ابتسم في حزن وقال: تعيشي أنت يا حاجة.
سمعت ألطاف ذلك ولم تهتم به، فما لها والشعر وهي تدرس المالية والمحاسبة والاقتصاد؟ إنها تذكر شيئا مما كانوا يسقونه لها في حصة العربي والإنشاء، وحاولت أن تذكر منه بيتا واحدا يمسك بعضه فلم تستطع، قالت لنفسها: ما كل ما يتمنى المرء يدركه. لكنها لم تذكر الشطر الثاني، ولم تعرف إن كان لشوقي أو حافظ أو النابغة الذبياني، وضحكت في سرها للاسم الأخير، وقالت لنفسها إن نطقه وحده يميت من الضحك، ومع الأيام راحت تتابع الشاعر المجهول، كانت تراه في معظم الأيام واقفا كالتمثال في انتظار الأوتوبيس، ويبدو أنها كانت قد فرغت من ملاحظة هيئته وملابسه الرثة وحفظت قميصه القذر الذي لا يتغير وبذلته البنية الداكنة التي صارت كالخرقة المهملة، ولا بد أن المصادفة وحدها هي التي جعلتها تنظر مرة إلى عينيه، بدت لها، بعكس ملابسه ووجهه وكل شيء فيه، كأنها هي الشيء الوحيد الذي يدل على الحياة فيه، كانتا ضيقتين، تلمعان لمعة غريبة، وتتحركان باستمرار في قلق وحزن لا يطاق، وقد فطنت بغريزة الأنثى أنه يسلطهما عليها في شوق أخرس مكتوم، ومع أنها كانت تنفر منهما وتحاول أن تتجاهلهما على الدوام، فقد بدأت تسأل نفسها عما تريده منها نظرته الخرساء، إذ ليس هناك أفظع من عينين صامتتين حزينتين تقولان لك: إنني أحبك ولا أريد منك شيئا، هل كان هذا المخلوق البائس الزري يحبها؟ وماذا كان يرجو من وراء هذا الحب الأخرس الصامت المخبول؟ إن جدارا هائلا كثيفا من التقاليد والظروف يبعدها عنه، لا بل يسحقه كالحشرة الذليلة أو الدودة البائسة، وهل يعقل أن تبادله النظر أو تطمعه بأدنى إشارة أو لمحة؟ يا له من صعلوك خائب مجنون! في يوم من الأيام جاءت متأخرة عن موعدها قليلا إلى محطة الأوتوبيس، كان هناك زحام غير عادي وجماعة من الناس يتحلقون حول رجل ممدد على الأرض، وشاب يجري له تنفسا صناعيا ويصيح بالواقفين أن يبتعدوا لكيلا يمنعوا الهواء عنه، وآخر يصرخ في طلب الماء، وحشرت نفسها لتلقي نظرة فرأت الشاعر ممددا على الأرض ببذلته الداكنة وقميصه وحذائه الباليين، ووجهه المصفر المجدور الذي يشبه وجه ميت، وبعد قليل نهض واقفا ونفض التراب بشدة عن ملابسه، وراح يعتذر إلى الناس ويشكرهم، ثم تقدم من سائق عربة كارو كان يقف في خوف بعيدا عن الجمع المحتشد، وإذا به يتقدم منه خجلا كالفتاة العذراء، فيعتذر إليه بصوت مسموع ثم يحتضنه فجأة ويقبله، بادرتها بائعة الجرائد العجوز قائلة: مجنون، بدل ما يطلب التعويض.
سألتها: هل داسه العربجي؟
قالت البائعة: داسه؟ قولي دهسه، العجل يا عيني فات عليه، لولا ساتر ربنا كان بقى نصفين. والآخر يعتذر له.
أزاحت شعرها الأسود الفاحم عن عينيها وقالت باسمة: ما هو شاعر. وجاء الأوتوبيس فقزت فيه.
إنها لا تزال تذكر الآن كيف بدأت تهتم به وتعطف عليه، كانت تلاحظ أن نظراته تتابعها، نفس العيون الصامتة الخرساء، العيون الحزينة البائسة بلا أمل في الأرض ولا في السماء، العيون الذليلة المجروحة التي تقول في انكسار: أحبك، ولا أريد منك شيئا ، وبدأت هي أيضا تهتم بنفسها، كانت تطيل الوقوف أمام المرآة قبل أن تخرج إلى الشارع، وبدأت - ربما لأول مرة - تأمل وجهها الصغير الجميل وتلاحظ أنفها الدقيق ووجنتيها البارزتين، وفمها الواسع قليلا، وشفتيها الرقيقتين، اللتين تبتسمان دائما في سخرية عذبة كانت هي طابعها الأصيل، أما عيناها السوداوان، المستديرتان فكانتا تشعان بنظرة لم تلتفت إليها من قبل، نظرة نارية ثائرة، فيهما كبرياء وبعد، ولكن فيهما مع ذلك حزن عميق يرسم مع الشعر الأسود الفاحم الطويل الذي ينسدل دائما على جبينها العريض وإحدى عينيها صورة من الخيالات والأحلام العذراء التي تحيط الفتيات في عمرها بهالة من الغموض، والتمنع والحياء. ها هي نظرته تتابعني، لكن ماذا يريد؟ آه من هذا الأخرس المخبول، إنه لا يقول شيئا، لا يتحرك لا يهتز فيه عرق واحد، هل كان ينظر إلي حقا أم كان يسبح مع أشعاره؟ وأي أشعار هذه؟ هل هي مثل أشعار شوقي وحافظ؟ هل ينشرونها حقا في الجرائد والمجلات؟ هل يكسب منها عيشه؟ هل يغنونها في الراديو؟ إنه يتابعني دائما، بالنظرة الذليلة المجنونة الصامتة الصارخة بالحب واليأس والعذب والانكسار.
لكنها تذكر الآن كيف انقلب اهتمامها الطارئ به إلى سخط وحقد واشمئزاز، إنها لن تقيم وزنا لهذه النظرات الجائعة الخرساء ولو صرخت في الأبواق بأنها تحبها حتى الموت. ماذا يقول الناس؟ ماذا تقول العائلة؟ والعرسان الذين يحومون حولها من الآن ويسألون عنها بل ويتقدمون لأبيها؟ مهندسون وأطباء وضباط وموظفون محترمون، وها هو الآن قد خرج من حياتها التي لم يدخلها قط، واختفت نظرته وهيئته المزرية وجسده الضئيل ووجهه الشاحب الصغير، كلها اختفت إلى الأبد خلف السور الشائك الذي أقامته من الاحتقار والكبرياء والتعقل.
অজানা পৃষ্ঠা