16
الْفَصْلُ الْسَّادِسُ: مَوَانِعُ الْغَضَبِ الْمَانِعُ الأَوَّلُ: الْعِلْمُ بِأَنَّ عِزَّ الْنَفْسِ في ذُلِّهَا، فَمَنْ نَصَرَهَا أَذَلَّهَا، وَمَنْ أَذَلَّهَا أَعَزَّهَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (مَا نِيْلَ مِنْهُ شَيءٌ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ). رواه مسلم (١). قُلْتُ: فَقَدْ نَالُوهُ بِالأَقْوَالِ وَالأَفْعَال؛ فَلَمْ تَزِدْهُ إِلاَ صَبْرًا وَاحْتِمَالًا؛ فَكَانَ ﷺ كَعُوْدٍ زَادَهُ الإحْرَاقُ طِيْبًا. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي ﵀: ُ مَا أَعَزَّ الإنْسَانَ نَفْسَهُ بِمِثْلِ ذُلِهَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ﷺ (مَا زَادَ الله ُ عَبْدًَا بِعَفْوٍ إلا عِزًَّا) رواه مسلم وتفرد به (٢). قُلْتُ: وَفِي الْعَفْوِ إِذْلاَلُهَا، وَبِهِ إِعْزَازُهَا، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: وَكَانَتْ عَلَى الأَيَامِ نَفْسِي عَزِيْزَةً ... فَلَمَّا رَأَتْ صَبْرِي عَلَى الْذِّلِ ذَلَّتِ الْمَانِعُ الْثَّانِي: الْحِلْمُ سُئِلَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الْحِلْمِ فَقَالَ: هُوَ الْذُّلُ يَا بْنَ أَخِي أَتَصْبِرُ عَلَيْهِ وَقَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيْمُ: ثَلاَثَةٌ لاَ تَعْرِفُهُمْ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةٍ؛ لاَ تَعْرِفُ الْحَلِيْمَ إلا عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلاَ الْشُّجَاعَ إلا عِنْدَ الْحَرَبِ، وَلاَ أَخَاكَ إلا إِذَا احْتَجْتَ إليهِ. وَقَدْ قِيْل: مَنْ يَدَّعِى الْحِلْمَ أَغْضِبْهُ لِتَعْرَفَهُ لاَ يُعْرَفُ الْحِلْمُ إلا سَاعَةَ الْغَضَبِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي: الْمُؤْمِنُ حَلِيْمٌ لاَ يَجْهَلُ وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ. وَتَلاَ قَوْلَهُ تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ الفرقان٦٣ وَقالَ علىُّ بْنُ أبي طالبٍ ﵁ أَوُّلُ عِوَضٍ للحَلِيْم ِعَلَى حِلْمِهِ؛ أَنَّ الْنَّاسَ أَنْصَارُهُ.

(١) مسلم برقم٢٣٢٧ج٤ص١٨١٣ باب مباعدته للآثام (٢) سبق تخريجه.

1 / 15