দাওলা ওসমানিয়া
الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده
জনগুলি
وإن لنا من اختلاف مواقعها وتاريخها ميزة خاصة تجتذب السياح من كل فج سحيق.
فإن فيها مواطن الأنبياء ومهابط الوحي، فهي - بهذا الاعتبار - محجة المسلمين والمسيحيين وبني إسرائيل من كل أقطار الأرض. وليس هذا بالشيء القليل وإن لاح قليلا في الحالة الحاضرة، إذ لو نظرت إلى المعالم الدينية في أوروبا وعلمت أن زوار واحدة منها كسيدة لورد في فرنسا يربو على عدد جميع الزوار الذين ينتابون بيت المقدس من أبناء جميع الأديان؛ تحققت أننا لو أعددنا هنا من أسباب الراحة في الحل والترحال ما أعدوا هنالك لكان للبلاد من وراء ذلك مورد ثروة جديد.
ولا ريب أن أعظم حسنة يسجلها التاريخ للحكومة الغابرة إنما هي سكة حديد الحجاز؛ لأنها بعد انتهائها ومد فروعها إلى البحر الأحمر وانتظام شعبها إلى البحر المتوسط ستكون بقطع النظر عن سائر ما لها من الحسنات أعظم دعامة لهذا الركن المتين، وسيتضاعف بها عدد الحجاج عما قريب.
ومع ذلك فيبقى على أولي الأمر وأبناء البلاد ابتداع كثير من الإصلاح اللازم لمعدات الراحة في الإقامة والانتقال داخل فلسطين وما جاورها مما لا بد منه من أسباب التأمين والتشويق على ما اعتاده زوار المسيحيين والإسرائيليين في أوروبا.
ولا يجب أن ننسى سائر مقامات الزيارة داخل البلاد كالنجف وكربلاء والكاظم في ولاية بغداد وما لها من الحرمة لدى المسلمين كافة وأهل الشيعة منهم خاصة، يتوافدون إليها مئات وألوفا من إيران والهند مع كل ما يلقون من عنت الحكام وطمع المأمورين، وإن جميع أبناء بغداد وحكامها يعلمون أن هؤلاء الزوار من أعظم مروجات التجارة عندهم، يتشوفون إلى قدومهم تشوف الظمآن إلى الماء. كيف لا وهم يزيدون عن الخمسين ألفا سنويا من إيران وحدها؟ ومع هذا فقد يذيقهم الحكام من مرارة المعاملة ما يلجئ الشاه في بعض السنين إلى منع رعاياه من الزيارة، فيشعر البغداديون بالكساد، ويبسطون يد الرجاء إلى حكامهم، فيأمرون ببسط الأمن، ويبدون المجاملة؛ فيعود الزوار إلى زيارتهم مدة، ولكنهم لا يلبثون أن يروا من سوء المعاملة ما يضطرهم إلى الشكوى مرة أخرى.
فلو مهدت لهم السبل كما يرجى أن تمهد الآن وضرب على أيدي العتاة من آمر ومأمور فالإقبال حينئذ عظيم والفائدة مضمونة للفريقين.
وهو معلوم أيضا أن البلاد العثمانية تضم في أكنافها أعظم معالم التاريخ القديم، ولا يخفى ما في ذلك من مشوقات الزيارة لمستطلعي الأخبار ومكتشفي الآثار وكل سائح ضارب في الأرض عالما كان أو طالب نزهة مرتاض. ففيها مواطن البابليين والأشوريين والحيثيين والسلوقيين. وفيها قامت دول المصريين والإسرائليين والعرب والأرمن ودول اليونان الفريجية والليقية والليدية والطروادية والبمفيلية والقباذوكية وغيرهن. وفيها كثير من آثار الدول التي احتلت بعض أجزائها كالفرس والرومان، ومنها أخذت نفائس الآثار التي تزدان بها متاحف باريس ولندن وبرلين وبطرسبرج.
ولقد طالما رأينا السياح يأتون من أقصى الديار فيقطعون البوادي والقفار لرؤية تلك المعالم يعانون من المشاق ما لا يكادون يعانون أعظم منه في مجاهل أفريقيا، تنظم لهم القوافل، وتحمل لهم المطابخ والخيام، وتعد لهم المطايا فينفقون لرؤية آثار بابل وأشور ما لا ينفقونه بسياحة حول العالم. وزد على ذلك أنهم لا يبلغون جميع الأمكنة التي يقصدونها لاختلال الأمن في كثير من تلك الأصقاع، ومع هذا فلا نعدم منهم وفودا عاما بعد عام.
فإذا مهدت لهم الطرق وأقيمت وأعدت لهم أسباب الأمن والراحة، فما عسى أن يكون من إقبالهم وانتفاع البلاد بعلمهم ومالهم.
وإذ انثنينا الآن إلى سائر أسباب السياحة من طلب صحة بتبديل هواء وراحة بعد عناء ونزهة في بلاد جميلة المناظر صافية الجو عذبة الماء، ففي البلاد العثمانية كل ما يتطلبه السائح صيفا وشتاء، خريفا وربيعا، من كل ما وقع تحت سماء المناطق المعتدلة والحارة والباردة.
অজানা পৃষ্ঠা