وها أنا الآن بينكم ...
فهاج الحضور هياج سرور لهذا الخطاب الوجيز ... وكان بينهم ثلاثة من أسرة لورين، كان أقربهم إلى البرنس الكردينال دين لورين فخطا خطوة إليه وقال له: هل أتيت أيها البرنس إلى هذا المجتمع عن رضا؟ - نعم، وبملء الرضا. - ومن الذي أخبرك بهذا الاجتماع السري؟ - رجل هو من أشد الناس غيرة على غايتكم وتحقيق أمانكم، وهو الكونت دي مونسورو الواقف بجانبي. - إذا تفضل يا مولاي وقل لنا ما الذي ستصنعه من الخير لهذه الجمعية المقدسة التي أنت رئيسها الآن؟ - إني سأخدمها أجل خدمة ... وأرد للكثلكة مقامها الرفيع ... ولست أخدم الدين فقط، بل إني أريد أيضا خدمة موطني وبلادي ... لأن الشخص الشريف هو من يخدم دينه الذي نشأ عليه ... وموطنه الذي ربي فيه؛ لأن خدمة الأوطان من الإيمان، وهي خدمة مقدسة أيضا؛ ولذلك فإني سأبذل قصاراي وأفرغ مجهودي فأجعل هذه الأوطان الجميلة تذوق ما فقدته من حلاوة الأمن والهناء بذنب رؤسائها، وهي الغاية الجلى والقصد الوحيد الذي يدفعني إلى الانخراط في سلككم، وهذا الذي جاء بي إلى هذا المكان.
فصفق الجميع استحسانا لهذا الخطاب حتى ارتجت جوانب الدير وصاح جميعهم بصوت واحد: ليسقط هنري وليحي فرنسوا.
وبينما الشعب يصيح هذا الصياح دخل الكردينال إلى غرفة، ثم رجع وهو يحمل تاجا ملكيا، فدنا بذلك التاج من الدوق وقال له: إن رأسك جدير بأن يزدان بهذا التاج الملكي؛ لأن جميع المحيطين بك وهم من رؤساء فرنسا يخضعون لك أتم الخضوع، فالبس هذا التاج وسر بهم وبأوطانهم وبدينهم إلى حيث يشاء المجد، وأنا الآن ألبسك هذا التاج برضا أولئك النبلاء وبمصادقة الحبر الأعظم الذي أنا وكيله في هذه البلاد، فليكن مباركا عليك، ولتهنأ به أنت وبلادك.
وعندها وضع التاج على رأسه وصاح، فصاح معه الجميع: ليحي فرنسوا الثالث ملك فرنسا العظيم.
فنزل الدوق من العرش والتاج على رأسه وعليه عظمة الملوك، فجعل يتهادى بين الحضور فيعينهم بالمناصب العالية، ويمن عليهم بالرتب والألقاب، وبعد أن فرغ من هذا الطواف دعا الكردينال الحضور إلى الصلاة ، فصلوا جميعهم وختموا هذه الصلاة بالدعاء للملك الجديد.
ثم خرج الدوق فخرج الجميع في إثره ولم يبق منهم غير عشرة أنفار من الأعيان، وثلاثة من أسرة لورين، فاختبأ شيكو ليعلم ما يقصدون من بقائهم في الدير، فتبين له أن تلك الأسرة القادرة لم ترد بتتويج الدوق غير إلقائه إلى التهلكة، وإسقاط الملك هنري بإثارة الأحزاب عليه، والسعي لحصر الملك بتلك الأسرة التي كان يساعدها في الوصول إلى هذه الغاية البابا في رومية بسعي الكردينال دي لورين أحد أعضائها.
وقد كان بينهم محام شهير يعلم الأنساب، فكتب فصلا مطولا أظهر فيه نسب أسرة لورين، وأنها أقرب إلى عرش فرنسا من أسرة فالوا المالكة.
ففحص جميع الحضور هذا الفصل ونقحوه بما عن لهم من الآراء، ثم أعطوه الكردينال ليطلع عليه الحبر الأعظم.
وأطفئت المصابيح فارفض الجميع وذهب كل في سبيله يبنون من آمالهم قصورا مشيدة من الأوهام، وخرج شيكو وهو يعجب من هذا الاتفاق الغريب.
অজানা পৃষ্ঠা