تأتي في فصولها على أهم ما له أثر في أحوال الشرقيين عموما والمسلمين خصوصا، فلا تلام إذا أطنبت في مسألة شرقية عامة ولا إذا أغفلت ذكر بعض أخبار من أمريكا وجابونيا.
نبهنا في أول عدد صدر منها على أن القائم بها رجال من أهل الغيرة في الشرق هموا بأعمال تفيد أوطانهم وملتهم، مع رعاية جانب العدل والسير على وفق الحكمة، ومن ظن أن توزيعها مجانا يقتضي أن تكون منسوبة لدولة من الدول أو شخص من ذوي المطامع في إمارة أو ملك فإنما نشأ ظنه هذا من اليأس المستحكم في نفسه والقنوط من نهوض همم بعض المسلمين بعمل صغير كهذا، ولا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون.
هذه جريدة لا سعة فيها للتنابذ والتقاذف، ولا يذكر فيها اسم شخص أو لقبه إلا إذا كان له قول أو عمل يفيد البحث فيه فائدة عامة.
الفصل السادس والأربعون
رياض باشا والسياسة الإنجليزية
نقل إلينا وذكرت الجرائد خبر مجلس انعقد في سراي توفيق باشا بالقاهرة، حضره وزراء الحكومة المصرية، ودعي إليه شريف باشا ورياض وسلطان باشا وعمر باشا ولطفي باشا وخيري باشا وثابت باشا. وأغلب الجرائد الفرنسية المهمة أتبعت رواية الخبر بالثناء على رياض باشا وأتت من وصفه على أفضل ما يوصف به رجل في أمته، ومما ذكرت من صفاته أنه أقوم أمير في الديار المصرية وأشدهم حرصا على الاستقامة، وأنه أبصر أهل بلاده بعواقب الحوادث التي ألمت بمصر وما تئول إليه، وكان يرى من بداية تلك الحوادث أنه سيكون مصيرها إلى ما لا خير فيه للبلاد، وسكتت تلك الجرائد عما يتعلق ببقية أعضاء المجلس، وإننا نذكر الخبر أولا ثم نعقبه بما تدعو خدمة الحق لذكره.
بعد انعقاد المجلس قام نوبار باشا وافتتح الكلام بخطاب وجهه إلى الحاضرين فقال: ماذا ترون من التدبير إذا فرضنا أن مدينة الخرطوم وبربر ودنقلا دخلت في حوزة محمد أحمد وأشياعه؟ وأي طريقة يمكن الأخذ بها لحفظ الأمنية وتقرير الراحة في مصر العليا (الصعيد)؟ فأعجب الحاضرون بالسؤال وظهرت على وجههم علائم الاستغراب لمفاجأته لهم بما لم يكونوا يتوقعونه، ثم أجابوه بصوت واحد: أن لا سبيل إلى تأمين البلاد من خطر الفتنة إلا باستعمال القوة، فقال نوبار باشا: إنا نروم منكم التصريح بنوع القوة التي يجب استخدامها (أي قوة إنجليزية أو مصرية)؟
فأجابه رياض باشا: إن تعيين القوة من خصائصكم وليس من شأننا أن نتكلم فيه، فأبدع في الجواب بعض الحاضرين (لا نعرفه وربما يكون من محبي أوطانهم) وأحسن في التشبيه حيث قال: الذي نعرفه أن العجة لا تكون بدون بيض (العجة طعام يصنع من البيض مع بعض النبات يعرف اسمه عند المصريين وأغلب العرب، فمادة هذا الطعام إنما هي البيض)، فأراد العضو المحترم أنه لو أريد استخدام قوة فلا بد أن يكون جوهرها عساكر إنجليزية ولا بأس بإضافة بعض من الجنود المصرية لتكون ترسا يدفع به في وجوه المحاربين وتنصب إليه قوته، فإن حصل العجز ودعت الضرورة للفرار أمكن للجيوش الإنجليزية أن تعود سالمة، أو إذا أضيف مصريون فلا بد أن يكونوا حمالين وخدما أو حرسا وحفظة لمن يكون معهم من ساداتهم (هذا ما أراد جناب العضو من تشبيهه البليغ).
بعد هذا قال رياض باشا: إنكم تسألوننا تعيين القوة ولكني أسألكم: ما هي القوة الموجودة عندكم وبأي حق يؤدى لكم 48 ألف جنيه في كل شهر، أأنتم حكومة أم لا؟! أما شريف باشا فقال: إنه بذل جهده مدة طويلة في إرضاء الحكومة الإنجليزية بأن ترسل جيشا إنجليزيا إلى السودان (وهذا مما يقضي بالعجب) ولكنه علم أن نوبار باشا أراد أن ينهي المسألة بإخلاء الأقطار السودانية، فقال نوبار باشا: إن المباحثة خرجت عن موضوعها وتحولت عن وجهها، ولكني أذكر بالأعضاء المجتمعين بأنهم ما طالبوا إلا لإبداء آرائهم فيما يجب العمل به.
فأجابه رياض باشا: إن لكم مجلس شورى فكان أحق أن تذاكروه، وإن للآن لا نعرف سببا لاستدعائنا مع وجود ذلك المجلس، فحاول نوبار باشا دفع ذلك بقوله: إن مجلس الشورى ليس من خصائصه النظر في مثل هذه المسائل، فقال رياض باشا: إنه لا يرجى إصلاح ما دام العمل جاريا على ما وضعه اللورد دوفرين مما سماه نظاما، وإنه لا ثقة له بأصل من أصول ذلك النظام وليس في الإمكان إجراء ولا واحد منها، وإن الأغلاط التي كانت منشأ للضعف والاختلال لم يرتكبها إلا دولة الإنجليز، وإن ما نراه من الفوضوية وارتكاب المنكرات وكثرة التعدي والسرقات لم تكن له علة إلا السياسة الإنجليزية، فعلى إنجلترا أن تعالج هذا الداء وليس ذلك علينا، ولقد قلت هذا مرارا وبلغته للورد دوفرين وشريف باشا، وكنت أود أن أرى اللورد دوفرين مرة أخرى لأذكره بما جرى من الحديث بيننا وأعرض عليه مصره المنتظمة، إلا أن شريف باشا أتى بما لم يكن يرجى منه، حيث دافع عن نظام دوفرين بقوله: إن الإصلاح يحصل تدريجيا، كأنه يريد بما يقول أن ما حوته شريعة اللورد دوفرين يصلح أن يكون شريعة يعود من العمل بها على أهالي القطر المصري شيء من الفائدة، وما كنا نظن أن مثل شريف باشا يرى مثل هذا الرأي بعد وصول الأمر إلى ما وصل إليه.
অজানা পৃষ্ঠা