331

والمراد تقليل الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وظروفه خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه، وتفتيشه، مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعا مبصرا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف. وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلا عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها، فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف.

وما أصدق تصوير إمام تركيا "بديع الزمان سعيد النورسي" رحمه الله لهذه الحقيقة حين يقول: (إن هذه المدنية السفيهة، المصيرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها، ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباحا ومساء، غلظ بسببها وتكاثف بملاهيها حجاب الغفلة، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة)] (¬1) اه.

* ومنها: التسويف والتمني: وهما صفة بليد الحس، عديم

المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخير، إما يعيقها ب "سوف" حتى يفجأه الموت، فيقول: {رب لولا أخرتني إلى أجل قريب}، وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يدمن ركوبه مفاليس العالم، كما قيل:

إذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إن المنى رأس أموال المفاليس

وبضاعة ركابه: مواعيد الشيطان، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه، كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية .... فيتمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه، وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال"، إذ استيقظ فإذا يده والحصير (¬2).

পৃষ্ঠা ৩৩৮