فلم يتعرض ابن مهدي، ولا أحمد، لتدليس حبيب بن أبي ثابت، وهو مشهور بهذا، فهل يقال: إن روايته بلغتهم بصيغة التحديث فلم يتعرضوا لتدليسه؟ أرى أنه لا يسعنا الاعتماد على هذا، ونص الناقد على علة لا يمنع من التعليل بغيرها متى ظهر ذلك.
على أن القول بالمنع من النقد بالتدليس في هذه الحالة له حظ من النظر فيما إذا انضم إليه مانع آخر، كأن ينضم إلى عدم النقد بالتدليس أن يكون الراوي موصوفًا بالتدليس عن شيخ له فقط، ثم يكون الحديث الذي معنا عن شيخ آخر، فقد تقدم في الأمر الثاني أن جمعًا من الباحثين يمنع من الحكم بتدليس راو مطلقًا، إذا كان الأئمة قد نصوا على تدليسه عن شيخ معين، وقدمت هناك أن هذا غير ظاهر بالنسبة لي، فإذا اجتمع في حديث رواية المدلس له عن شيخ لم يوصف بالتدليس عنه، وأعرض الأئمة عن نقده بالتدليس في هذا الحديث، فلا يبعد أن يقال: إن التعليل بالتدليس بعيد حينئذ.
ومثاله زكريا بن أبي زائدة، فقد تقدم أن النقاد أكثروا من النص على تدليسه عن الشعبي، وهم في روايته عن أبي إسحاق - مثلًا - لا يتعرضون لتدليسه، حتى مع مخالفته لغيره، ويلجؤون إلى تعليله بتأخر سماعه من أبي إسحاق، والله أعلم.
الأمر الرابع: تقدم في الحالة الأولى شرح نوع من التدليس يبقي فيه المدلس شيخه، لكنه يسقط راويًا من وسط الإسناد، وهو ما يعرف بتدليس التسوية.
والمرتكب لهذا النوع من التدليس يعامل في بقية الإسناد ومطالبته بالتصريح بالتحديث بمبدأ القلة والكثرة، فمن فعله على سبيل الندرة فروايته محكوم لها بالاتصال، والمكثر منه مطالب بالتصريح بالتحديث في جميع الإسناد.