وعندما يقعد اثنان لبحث موضوع يلجأ كلاهما إلى وجدانه فيقدم البراهين الموضوعية يدعم بها حجته، وبعيد أن يصلا إلى نتيجة يتفقان عليها إذا كان الموضوع يمس العواطف؛ ولذلك فإن أبرعهما يعمد إلى الإيحاء ويترك المنطق، والمجرم القارح العائد الذي تدرب على المحاكمة يعرف أن أفضل ما يؤثر به على القاضي هو أن يبكي ويتذلل، ويذكر زوجته وأولاده الذين سيموتون من الجوع إذا حبس وحرم الكدح لهم؛ لأن حركة عواطفه هذه تحرك بالمحاكاة ما يضارعها عند القاضي فيتحنن ويتلطف، أما إذا جادل القاضي وقرع الحجة بالحجة فإنه سيسيء بانتصاره المنطقي، وقد يجد من القاضي رغبة في الانتقام لهذا الانتصار عليه.
هل سمعت أحدا يقول لك: إنه أرق في الليلة الماضية لأنه شرب في الساعة السابعة من مساء أمس فنجانا من القهوة؟ وهل فكرت في هذا الأرق هل كان سببه الحقيقي فنجان القهوة بالذات أم كان إيحاء هذه الفكرة؛ أي إن القهوة مؤرقة، في نفس هذا الشخص؟
والقدوة؛ أي: المحاكاة من أعظم وسائل الإيحاء، وهما أقوى أثرا من الكلمة، فإننا نتثاءب عندما نرى أحدا يتثاءب، ونبكي في الجنازة عندما نرى البكاء حولنا، والحمار يأكل أو يجري عندما يرى زميلا له يأكل أو يجري، والأم المحجبة التي تخشى فتح الباب توحي الجبن والخوف من الغرباء عند أولادها؛ ومن هنا قيمة القدوة في الأب والمعلم، وقيمة العائلة الحسنة في الأطفال.
والإيحاء يحدث بالكلمة والصورة والفكاهة والقصة والأغنية والقدوة، وهذه كلها تتسلط علينا في حياتنا الاجتماعية، وتغرس فينا عواطف نكاد نحسبها - لفرط إحساسنا بها - طبيعية؛ فالمسلم يشمئز من لحم الخنزير، وكلنا - باستثناء الصينيين - نشمئز من لحم الكلب، ونكاد نعتقد أن هذا الاشمئزاز طبيعي ولو دعانا أحد إلى أن نأكل لحم الكلب لعددناه أسفل إنسان في الدنيا، إن لم نعده مجنونا، والواقع أن هذه العواطف اجتماعية تعود إلى الإيحاء؛ أي: إيحاء المجتمع بالقدوة والكلمة، كلمة نجس للخنزير والكلب، وليس فيها شيء طبيعي.
انظر إلى الإيحاء السيئ في مصر للمسنين؛ فإن الموظف يحال على المعاش في سن الستين وكأن هذه الإحالة توحي إليه بأنه لم يعد مفيدا، ثم نحن نوحي إليه الوقار، فلا يجري ولا يلعب، فإذا تقدمت به السن إلى السبعين طالبناه بزيادة الوقار، فيجب أن يقعد ويقل من الحركة، أي: يجب أن يركد ويتعفن ويموت، وهذا بخلاف ما يلقاه المسن في أوروبا من الإيحاء بالشباب والصحة، حتى إنه يكون في السبعين ويلبس الشورط ويلعب، بل ويرقص؛ فهناك إيحاء للصحة والقوة، وهنا إيحاء للمرض والضعف.
الإيحاء هو تنويم نفسي مخفف، وكلنا عرضة له متأثرون به؛ لأن معظم سلوكنا - بل كل سلوكنا إلا القليل جدا جدا - عاطفي يخضع للإيحاء.
الإيحاء يخاطب العاطفة ويحدث العقيدة، وإذا تسلطت العقيدة والعاطفة ضعف الوجدان (= التعقل المنطقي والنظر الموضوعي).
وفي النفس البشرية طاقة من نوع آخر، هي هذه الخاصة التي أصبح جميع السيكلوجيين يسلمون بها، وهي «التليبائية»؛ أي: شعور أحدنا بما يحدث لآخر، ولو كان بعيدا عنا بنحو ألف كيلو متر؛ أي: الشعور على بعد بدون الحواس المألوفة، فقد يحدث أن يكون أحد الشبان في برلين، فإذا به يضيق ويغمره كرب عظيم، ويرى في خياله صورة أبيه في القاهرة، وفي هذه اللحظة بالذات يجد عند التحقيق أن أباه كان في النزع ولم تمض دقائق حتى يكون قد مات، وقد يكون أحدنا مريضا قد فنيت قواه الجسمية - أو كادت - فيرى عزيزا له - ابنا أو صديقا أو أخا - وهو في ضيق عظيم؛ فإذا حقق وجد أنه في هذه اللحظة كان عرضة لخطر فادح قد قضى عليه أو كاد، ومن المجازفة العقيمة أن يتقدم أحد بتفسير هذه الظاهرة، وقصارانا أن نقول: إنها كفاءة جديدة في النوع البشري تظهر في بعض الأشخاص المهيئين لها، وسوف تعم جميع الناس - مع غيرها من الكفاءات المجهولة - في المستقبل، ولكن من المؤكد أن التليبائية هذه لا تنتمي إلى الغرائز القديمة في الإنسان؛ أي إنها ليست بعثا لإحدى كفاءاتنا القديمة، وإنما الأغلب أنها ارتقاء جديد في الوجدان لا نفهم كنهه إلا عن طريق التشبيه، كأن نقول: إن لكل منا موجته «الراديوفونية» المخية التي تنطلق منا حول الأرض؛ فإذا لقيت جهازا استقباليا حدث الاتصال، وما دام الأب يشبه ابنه بحكم الوراثة في نظام الأعضاء وقوتها واتجاهها؛ فإن الموجة تتصل بين الأب والابن ولو كانت المسافة بينهما آلاف الأميال، وكذلك الشأن بين الأشقاء والأقرباء، ثم إذا كانت الموجة عنيفة حدث اتصال مشوش حتى ولو اختلفت الجهازات، وهذا يفسر الاتصال بين غريبين في النظام العضوي للجسم تربطهما صداقة حميمة مثلا.
الانتحار السيكلوجي
كلنا يعرف هذا الانتحار المادي، وكلنا يقرأ عنه في الجرائد، عن الفتاة التي كرهت زوجها أو ضرتها ثم أشعلت النار في ملابسها، وعن الشاب الذي رفض أبوه أن يعطيه ما طلبه من نقود فألقى بنفسه في النيل، وعن التاجر الذي كان يخشى الإفلاس فأطلق المسدس على صدره.
অজানা পৃষ্ঠা