ولذلك نحن نفهم الكتاب أو القصيدة أو الرسم أو اللحن أكثر إذا عرفنا حياة المؤلف والتفاصيل الخاصة بما لقي من أفراح أو أتراح، وبما نزل به من كوارث أو مصادمات، وبما كان له من علاقات اجتماعية أو عائلية؛ لأنه وهو يؤلف إنما يتوسع بشخصيته، وينقل إلى الجمهور إحساساته؛ إذ هو يتخيل الخيال أو يحلم الحلم الذي يسد عنده نقصا في حقائق الواقع.
وليس من شك إذن في الارتباط بين حياة الكاتب وفنه، فقد نجد كاتبا يدأب في الدفاع عن الحرية وينضوي إلى الحركات التحريرية ويسرف ويضحي، بحيث نكاد نحس أنه يشذ عن المألوف، وهو في شذوذه هذا يتأنق ويتفوق؛ لأن غرامه بدعوته يحمله على العناية حتى يصل إلى غايته، وهذه العناية هي الفن.
اعتبر صبيا نشأ في بيت يتسلط عليه أب قاس محافظ يمنع ابنه من الاستمتاع بالمسرات المألوفة، أو هو يحمله على اتخاذ أساليب من السلوك المرهق بدعوى الوقار، أو اعتبر صبيا آخر قد لقي طغيانا وهو صبي من شقيقه الأكبر، بحيث لم يكن ليستطيع الدفاع عن نفسه لحداثة سنه، أو اعتبر تلميذا وجد من معلمه في السنوات الأولى من الدراسة الابتدائية عنتا بلا مبرر، ففي كل هذه الحالات نجد هؤلاء الصبيان، عندما يبلغون سن الرجولة، كارهين لكل أنواع السلطة الحكومية أو الاجتماعية أو الدينية، أو هم على الأقل يتوجسون منها.
وهم في هذه الكراهية أو هذا التوجس يبحثون هذه السلطة ويحاولون الوصول إلى رذائلها ونقائصها؛ كي يبرروا موقفهم منها، وهو موقف الكراهة أو التوجس.
وهنا نجد إذن ذلك المؤلف الذي يسرف في الدفاع عن الحرية وينضوي إلى الحركات التحريرية؛ لأن دفاعه عن حريته الشخصية قد استحال إلى دفاع عن حرية الشعب كله، وكراهته للحاكم المستبد أو القانون الجائر هي - في صميمها - كراهة للأب القاسي الذي عرفه في طفولته، أو لقواعد الوقار التي قيدت نشاطه وهو مراهق.
وليس الفن الذي يتجسم في قصة أو رسم أو أبيات من الشعر أو ألحان من الموسيقا، أو حتى في مقال عابر، ليس الفن سوى التفريج عن عواطف محتبسة؛ أي: مكظومة، لم يكن في مستطاع الفنان أن يفرج عنها في الواقع فأفرج عنها في الخيال، وهو إذا لم يكن قد فعل ذلك في الخيال، لكان قد أدى به الكظم إلى التفريج عنها بالخمر أو الجريمة أو الجنون.
وقد قال فرويد: «كلنا مرضى»، وهو يعني بهاتين الكلمتين أن لكل منا كظومه واحتباساته وكروبه، التي تحتاج إلى التفريج، وقد يكون الانتقام تفريجا، ولكن الأخلاق المتمدنة التي نأخذ بها، والاعتبارات الاجتماعية التي يجب أن نراعيها، تحول بيننا وبين الانتقام، وإذن نحن نحلم ونتخيل حالا أسعد من الواقع.
فإذا كنا على شيء من القدرة على التأنق على التعبير، استحالت أحلامنا إلى أعمال فنية كالشعر أو الرسم أو القصة أو المقالة، ثم اتجهت حياتنا الفنية تلك الوجهة التي اقتضتها ظروفنا العائلية الأولى أيام الطفولة، وأيضا مركزنا الاجتماعي.
والعواطف المكظومة هي التي تلد العمل الفني؛ فإذا لم نكظم الحب فإننا لن نؤلف عنه الشعر، وإذا لم نحس العجز في حياتنا الشخصية فإننا لن ننشد التفوق الاجتماعي أو الفني، وإحساسنا بالضعف يحملنا على أن نتقوى بالرياضة البدنية أو الذهنية.
ولذلك يجب - إذا استطعنا - أن نعرف حياة المؤلف وظروفه العائلية، كي نصل إلى الجذور التي جعلته يتخذ أسلوبا دون آخر؛ لأن هذا الأسلوب هو أخلاقه التي تعلمها أو اضطر إلى اتخاذها منذ صباه، والأغلب أيضا أن الهدف الذي نصبه لنفسه قد تعين منذ صباه، ولا بد أن الصورة التي اتخذها هذا الهدف قد اختلفت من الصورة التي كان يرسمها لنفسه أيام الصبا، ولكن هذا الاختلاف لم يكن في النوع، وإنما كان في الدرجة واللون فقط؛ أي: كان الاختلاف فنيا.
অজানা পৃষ্ঠা