فالإنسان حيوان لغوي، وعلى قدر ارتقاء لغته بالكلمات الموضوعية الوجدانية يكون ارتقاء تفكيره، وأيضا ارتقاء سلوكه الاجتماعي، وإلى حد ما وفي ظروف معينة يصح أن تكون اللغة مقياسا للذكاء، بل أيضا قد تكون الكلمات سببا لأمراض نفسية ؛ لأن بها شحنات عاطفية قوية تسري كالسم في النفس، والمتعصب الذي يقتل من يخالفه مثلا في الدين إنما يقتله من أجل كلمات.
الكظم والعقل الكامن
كلنا يعرف أن المغيظ الكاظم يعد خطرا؛ لأنه قد ينفجر في أي وقت، والحقد هو غضب محتقن؛ أي: مكظوم، والمعنى الواضح أن عاطفة الغضب لا يمكن أن تموت بالكظم؛ إذ هي تبقى تحت الرماد، ثم تعود عندما تحين الفرصة فتضطرم.
وليس هذا شأن عاطفة الغضب وحدها؛ فإن جميع العواطف تبقى حية متربصة تفور بنا فجأة أو تتحايل للبروز بشكل مستور نحتاج إلى بحثه حتى نكشف عنه ونعرف أصوله.
اعتبر طفلا يسمع نداء المثلجات في الشارع، فيطلب من أبيه قرشا كي يشتري قطعة، فيرفض أبوه، فيكظم الطفل غيظه، وبعد دقائق يحادثه أخوه الأصغر حديثا بريئا، ولكن هذا الطفل المغيظ الكاظم يرد عليه بصفعة صاخبة على وجهه.
أو اعتبر نفسك قد خرجت من البيت في الصباح وأنت غاضب لسلوك الأولاد أو الخادمة، فيطب منك كمساري الترام ثمن التذكرة في كلمات عادية، ولكنك تجد أنك تنهره وتتشاجر معه؛ لأن غيظك الذي كظمته في البيت قد كمن وتربص حتى وجد الفرصة، لا، بل هو قد خلق الفرصة من لا شيء تقريبا للتنفيس.
وحياتنا الحضارية تكاد تكون كلها كظما إذا قورنت بحياة الحيوان، وهي كذلك؛ لأننا نعيش في مجتمع متمدن كثير الزواجر، فنحن نكظم الشهوة الجنسية ونكظم الرغبة في التسلط أو السيطرة ونكظم الخوف، ونعيش جميعا في مباراة للكسب والوجاهة تجعلنا نكظم كثيرا من عواطفنا.
وهذه العواطف المكظومة لا تموت كما رأينا في الطفل المحروم من الحلوى المثلجة أو في ذلك الشخص الذي يخرج غاضبا من بيته، ولكن في هذين المثالين رأينا تفريجا سريعا بمشاجرة مختلقة مع الكمساري أو بإيذاء الأخ الأصغر، ولكن في حياة الحضارة التي نعيشها لا نجد مثل هذا التفريج السريع؛ ولذلك تكمن هذه العواطف في «العقل الكامن = الباطن» أي في الكامنة.
والعقل الكامن هو مجموعة عواطفنا المخزونة المكظومة، ونحن ننسى الحوادث أو الظروف التي أحدثت الكظم ، كما أن الطفل حين ضرب أخاه لم يكن يعرف أن الإساءة الأصلية لم تكن من أخيه بل كانت من أبيه الذي حرمه القرش لشراء الحلوى، وكذلك الآخر الذي تشاجر مع الكمساري لا بد أنه دافع عن نفسه وحسب نفسه بريئا؛ لأنه نسي أن الإساءة جاءته من البيت قبل أن يبارحه في الصباح.
وقد تثقل وطأة الكظم فتؤدي إلى الإجرام أو الجنون، كالغيرة في الزوجة تحملها على ارتكاب الجريمة، وكالخوف الدائم، أو المتردد، يصير هما لا يطاق حتى يحمل صاحبه إلى الفرار منه بالخمر، أو أحيانا بالنسيان التام، كما حدث لهيس في محاكمته في نورمبرج بألمانيا.
অজানা পৃষ্ঠা