والمتتبع المنصف لتأريخ المسلمين يلمس مدى الصبر والأناة والعض على الجرح لديهم وهم يواجهون أقسى وأعتى عدوان يواجهه إنسان من خصمه وبالطبع فان ذلك لم يكن عن جبن وإلا لاستسلموا وأراحوا واستراحوا ، وإنما كان عن قلة في العدد والعدة من جهة ، وانتظارا لأمر الله تعالى من جهة أخرى فما كان لرسول الله أن يبرم أمرا دون أمر الله.
لذلك ، رأينا رسول الله (ص) ينتدب أصحابه موقظا في عيونهم الثأر الذي نام طويلا ، ليعترضوا عير قريش قائلا لهم : عسى أن ينفلكموها الله! وذلك في أول غزوة في الإسلام ألا وهي غزوة « بدر الكبرى ».
وربما يستشف القارئ أو السامع العدوانية في هذا الموقف من المسلمين ، ولكنه حين يلم بما سبق هذه الواقعة من أحداث فانه لا يلبث إلا أن يقر ويذعن بأن ما جرى حق مشروع ، فقريش ومن معها لم تترك للمسلمين شيئا في مكة ولم تكتف بإخراجهم من ديارهم حتى صادرت كل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة بالإضافة إلى مصادرتها أعز ما يملكه إنسان في هذه الدنيا وهو الوطن ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير الحق إلا أن يقولوا ربنا الله .. ) (1).
لقد كانت أول واقعة عسكرية بين المسلمين وخصومهم تسجل النصر للمسلمين نصرا ساحقا ماحقا إختزل حماقات قريش واعتداءاتها وبغيها على مدى سنين في ساعة ، إختزلها جثثا لساداتها مطروحة في قليب بدر وفوق الرمال.
ويمكننا الجزم بأن مواقف الرسول (ص) ومن معه في حروبه وغزواته كانت مواقف دفاعية ولم تكن عدوانية هجومية كما يتصور البعض ، ونلمس ذلك جليا في واقعة « أحد » و « الخندق » و « خيبر » إلى فتح مكة ، حتى ما
পৃষ্ঠা ৫৮