وأمرهم عليه السلام أن يذهبوا إلى حيث قتل الرسول فيدعوا القوم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالقتال، وأوصاهم: «ألا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا ولا فانيا ولا معتزلا بصومعة، ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء.»
ولا شك أن هذا الجيش إنما كان بالوصف العصري «حملة تأديبية وبعثة استطلاع» يقاد على هذا الاعتبار ومن أجل هذه الغاية، ولا يراد به بداهة أن يحطم قوة الدولة الرومانية أو يفتح البلاد التي كانت يومئذ في يديها ...
فمضى لهذه الوجهة حتى نزل معانا وأقام بها ليلتين، وسمع المسلمون هناك أن هرقل قد عسكر بمآب في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء وبلى على أهبة اللقاء.
وقد يقع في الخاطر أن الروم علموا بمسير جيش المسلمين فأعدوا هذه الجحافل الجرارة ثم سيروها إلى تخوم الدولة في مدى الأيام التي مضت من خروج جيش المسلمين إلى بلوغهم أرض معان، وهو خاطر بعيد جد البعد لما هو معلوم من صعوبة جمع الجيوش وتسييرها في مثل هذه السرعة، ولما يبدو من ضخامة هذه الجحافل بالقياس إلى القوة الإسلامية التي مهدوا للقائها، ولم يكن ليفوتهم أن يعلموا بحقيقتها لو أنهم تلقوا الخبر بخروجها ممن رآها ...
والأرجح أن هرقل إنما كان في جموعه هنالك في زيارة الشكر التي نذر لله أن يؤديها إذا هو ظفر بالفرس ورد منهم صليب الكنيسة الكبرى الذي حملوه معهم يوم فتحوا بيت المقدس، وربما كان هرقل قد بارح بيت المقدس في ذلك الحين، وتخلفت جيوش ركابه لأدار هذه الفريضة معه، أو للقيام بمراسم الحفاوة في تلك الزيارة التاريخية.
ورأى المسلمون أن مدد الروم حاضر على مقربة منهم، وأن الحرب بين عسكرين على هذا التفاوت البعيد عمل غير مجد، ولم يكن منظورا ولا مقصودا عند مسير الجيش من المدينة، فرجع بعضهم وتمهل الأكثرون منهم؛ ليستأذنوا النبي فيما يصنعون، وغلبت حماسة الشاعر وحمية الشهيد على عبد الله بن رواحة فانتهر المترددين والمثبطين وقال لهم: «يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة!»
فاستمعوا إليه ولم يشاءوا بأية حال أن يرجعوا قبل الانتهاء إلى مقصدهم الذي خرجوا من أجله، وهو إبلاغ الدعوة إلى قاتلي الرسول النبوي وإبراء الذمة إليهم قبل القصاص، إن وجب قصاص.
فتقدموا من معان إلى مؤتة على مسيرة نحو ليلتين، وفيها حصن للغسانيين يقيم به أمير منهم في خدمة الرومان.
واحتمى الأمير الغساني منهم بحصنه ثلاثة أيام، لعله كان ينتظر فيها مددا أو أمرا من رؤسائه، ثم التقى الفريقان على مزرعة في جوار البلدة، فاستمات من بقى من جيش المسلمين، وحاربوا على ما يظهر وهم مفاجأون؛ لأننا لم نسمع في أخبار الوقعة بتوجيه الدعوة أو الإجابة عليها؛ ولأن قائدا منهم أعجل عن طعامه ولم يذق القوت ساعات، فلما فوجئوا بالقتال لم تدع لهم المفاجأة من خطة غير خطة الصمود للخطر والثبات في وجهه مخافة المصاب الأكبر في هذه الحالة؛ وهو مصاب الذعر والدهشة والملاحقة بلا هوادة.
وكأنما استحى القادة الثلاثة أن يرشحوا للموت ويرجعوا دونه ابتغاء النجاة، فقاتل زيد بن حارثة حتى قتل، وأحاط القوم بجعفر بن أبي طالب وهو يحمل اللواء ويثير من حوله نخوة المسلمين، فأنحوا عليه بالضرب الدراك حتى قطعت يمينه، ثم قطعت شماله، ثم ضم اللواء إلى عضديه، ولبث يناضل عنه إلى أن مات.
অজানা পৃষ্ঠা