ويدعى بسمارك في السنوات الأولى من وجوده بفرانكفورت من قبل الملك أو من قبل غرلاخ عند كل مناسبة، فيقطع في عام واحد ألفي فرسخ بين فرانكفورت وبرلين، ويقع ذلك في الغالب وقتما يمتنع مانتوفل عن إجابة الملك إلى ما يرغب فيه، وإذا حدث أحيانا أن أخر بسمارك سفره إلى برلين بسبب عمل خاص بمنصبه فلم ينته إليها على عجل فإن الملك فردريك ولهلم لا يستقبله حين وصوله كما أنه لا يأذن له في العودة إلى محل عمله، «وذلك ضرب من أصول التربية كما في المدارس حيث يقصى التلميذ عن صفه ثم يسمح له بالرجوع إليه، فكنت أبدو معتقلا في قصر شارلوتنبرغ من بعض الوجوه فيلطف اعتقالي بما يقدم إلي من الغداء بظرف.» ويريد الملك تعيين بسمارك سفيرا في فينة، فيجيب بسمارك بأن ذلك يعني تسليمه إلى خصمه فلا بد من إصدار أمر صريح في ذلك، فيقول الملك: «لا آمرك، وإنما يجب عليك أن تذهب إلى هنالك مختارا ثم أن ترجو مني الرعاية. وعليك أن تشكر لي عنايتي بتربيتك، لاستحقاقك مثل هذا الجهد.»
وتلك هي علاقة الملك بمحبوبه المكلف بالصبر على تقلبات مزاجه كما يصبر على تقلبات الجو، ويدعو الملك بسمارك ذات يوم إلى روجن ليكتب مذكرة مخالفة للتي كان مانتوفل قد سلمها إليه، ويرسل الملك هذه المذكرة ويثني عليها لبسمارك ويمسكه وإن كان بسمارك يريد منذ طويل زمن أن يذهب إلى زوجه المريضة، ثم يسافر بسمارك بلا إذن فيجازيه الملك على ذلك بوقفه المذكرة برقيا وباستردادها وتحريفها ، فبمثل هذا كانت تساس المملكة البروسية.
وما كان بسمارك ليفرط في تقدير قيمة ذلك، وهو يعلم كيف تزول الحظوة لدى الأمراء، ويمضي عام فيقول بسمارك في منزله: «والآن - حين وصولي - تشرق الشمس؛ فالبلاط يلاطفني، والأكابر يدارونني، والأصاغر يريدون شيئا مني أو يودون نيل شيء بواسطتي، وليس عسيرا علي أن أذكر أن هذا المجد الذهبي مما يزول بين عشية وضحاها، فأرى في مهرجان يقام في البلاط من الظهور الجامدة حولي بمقدار ما أبصر الآن من الوجوه الناضرة.»
ولا ريب - إذن - في أنه لم يدهش بعد خمس سنين حينما كتب إلى غرلاخ قوله: «أرى تغير كل شيء، فإما أن أكون عند الملك رجلا عاديا كبقية الناس، أو أن يكون الملك قد بلغه قول سيئ عني، وقد يكون هذا هو الصحيح. والخلاصة هي أن صاحب الجلالة أقل ميلا إلى رؤيتي مما في الماضي، وأن نساء الشرف لديه يبتسمن لي بأفتر مما في الماضي، وأن الرجال يصافحونني بأبرد مما في الماضي.» ثم يغير لهجته فيقول: «ولكنني يا صديقي الجليل أعتقد أنك منزه عن مثل سفاسف رجال القصر تلك، وإذا كانت ثقتك بي قد قلت فإنني أطلب إليك أن تبدي لي سببا لذلك غير تقلب عطف البلاط.»
وهكذا يخفض بسمارك بلطف لهجة رثاء عزيز خسر حظوته فيرفع ذلك إلى مسمع نديم تقي، وهكذا يستطيع أن ينتقل برقة من عذل معتدل إلى عقل حكيم.
الفصل الثالث
كان القيصر نقولا أقوى رجل في أوروبة، ويظل كل شيء هادئا في إمبراطوريته وحدها، ويبقى الاسترقاق هنالك أمرا غير ظاهر، فلما اشتعلت الثورة في هنغارية استطاع القيصر أن يرسل إلى الشاب فرنسوا جوزيف فيلقا، فأبلى هذا الفيلق في القتال بلاء حسنا، وصار القيصر بعد هذا ينظر إلى فرنسوا جوزيف نظر المتبوع إلى التابع، ويحل الوقت الذي فيه يطالب القيصر بالآستانة وبتقسيم تركية التي دعاها بالرجل المريض للمرة الأولى.
بيد أن نابليون الثالث لم يرد أن يترك له مفاتيح القبر المقدس، وكان يود أن ينتقم لما أصيب به عمه من الهزائم بين سنة 1812 وسنة 1814، وأن ينتقم لما كان من مخاطبة القيصر المتكبر إياه في رسائله، ب «ابن عمي» بدلا من «أخي»، فعلى مثل هذه الترهات كان يتوقف مصير أوروبة في ذلك الحين. وفي أوائل سنة 1854 توشك الحرب أن تقع بين روسية وحلف مؤلف من فرنسة وإنكلترة وتركية، وكانت النمسة تخشى توسع روسية في البلقان فقررت الانضمام إلى الحلف الغربي، ويبحث في الأمر ببروسية.
ويقول جميع أحرار بروسية بالانحياز إلى الحلف الغربي ضد روسية، ويقول كثير ممن هم حول الملك بالحرب، ويبدو الأمير ولهلم على رأس هؤلاء، وكان مانتوفل قد وافق على فكرة إرسال إنذار إلى سان بطرسبرغ، والمحافظون وحدهم ويقودهم غرلاخ هم الذين قاوموا الرأي في مهاجمة حصن الرجعية الروسي الحصين متذرعين بأن روسية كانت حليفة بروسية في سنة 1813، وتبلغ الأزمة حدها فيستدعي غرلاخ تلميذه «بسمارك» إلى برلين، ويدعوه ولهلم إليه من فوره، لا لأنه يحبه، بل لما يعرفه من نفوذه الكبير لدى أخيه المتردد، وهذا إلى ما بينه وبين بسمارك من حسن صلات، وإلى ما كان من وقوفه بجانب مانتوفل أبا في المعمودية لابن بسمارك الثاني ولهلم الذي عرف باسم بيل فيما بعد.
ولهلم :
অজানা পৃষ্ঠা