فتساءل البك مبتسما وهو يدلل بأصابعه شاربه الغليظ المصبوغ: أتريد أن ترقى لواء؟
فضحك الشاب ضحكة عصبية سرعان ما غاضت من أساريره، وقال بصوت منخفض: أعز من هذا؛ إني طامح إلى شرف مصاهرتك.
وحل اهتمام مفاجئ محل النظرة الباسمة، وخيل إليه أن الرجل استحوذت عليه دهشة رغم ما يتظاهر به من الرزانة وضبط النفس، ولكن أية دهشة يا ترى؟ دهشة المفاجأة أم الانزعاج؟ ودق قلبه بقوة وشعر شعورا عميقا بخطورة اللحظة التي يكابدها، أما الرجل فقال بعد صمت وتفكير: لا يسعني إلا أن أشكر لك حسن ظنك.
وتأثر للقول الرقيق تأثرا لم يخل من ألم غامض وقال بتوكيد: أرجو ألا أكون قد جاوزت حدي.
فقال البك مبتسما: حاشا الله، إني أكرر الشكر، بيد أنني أؤجل الجواب حتى أشاور أصحاب الشأن.
فارتاح حسنين لهذه المهلة التي رحب بها ترحيب المحارب المحرج بهدنة آمنة وقال: هذا طبيعي يا سعادة البك، ولكني أرجو حقا ألا أكون قد جاوزت حدي.
فابتسم البك قائلا: لا تعد على مسمعي هذا القول.
ونهض الشاب مستأذنا في الانصراف ثم غادر الفيلا. واستعاد في الطريق كل كلمة قيلت وما صاحبها من حركات وإشارات ولمحات، وحاول أن يستشف ما وراءها من معان ومقاصد، ومع أنه كان يؤول كل شيء بخيال جريء طموح متفائل، إلا أنه وجد انقباضا وقلقا، وفي النهاية قال لنفسه يهز كتفيه استهانة: «إذا ربحت ربحت الدنيا جميعا وإذا خسرت لم أخسر شيئا يذكر.»
83
لم يفكر حسين في معاودة زيارة فريد أفندي حتى أوفت إجازته على نهايتها، كأنما أراد أن يمد للرجل في مهلة تفكيره حتى يستخلص منها رأيا قاطعا. ولم يكن يكف في أثناء ذلك عن مشاورة والدته، ولم تبد المرأة اعتراضا، ولكنها نصحته أن يؤجل زواجه عاما حتى يستكمل استعداده، ومن عجب أنها لم تفلح في إسداء مثل هذه النصيحة للشاب الآخر المتعجل ، ولكن حسين نفسه لم يكن ليوافق أخاه على تعجله الذي وصفه «بالتهور»، ولم يخف عليه أنه إذا وفق حسنين إلى هذه الزيجة الخيالية، وتم زواجه هو بعد عام، فستجد أمه وأخته نفسيهما وحيدتين بلا عائل، ولهذا طمأن والدته إلى أنه مصمم على أن يضم زوجه إلى البيت في كنف معيشة واحدة، واطمأن قلبه وفكره، فمضى إلى بيت فريد أفندي، واستقبله الرجل بترحاب أنعش آماله، ومع أنه لم يكن للزيارة إلا معنى واحد لا يخفى على أحد، إلا أنه خاطب الرجل قائلا في شيء من الارتباك: جئت أستودعكم الله قبل عودتي إلى طنطا غدا.
অজানা পৃষ্ঠা