في تلك الليلة لم يغمض لأمينة من يقظة الفرح جفن كأنها السماء المقمرة لا تغشاها الظلماء، فظلت مستيقظة حتى جاء السيد بعد منتصف الليل، ثم زفت إليه البشرى، فتلقاها بغبطة أطارت عن رأسه الخمار، بالرغم مما في هذا الرأس من نظريات غريبة عن زواج البنات، إلا أنه تجهم بغتة متسائلا: هل أتيح لإبراهيم أن يراها؟!
ساءلت المرأة نفسها ألا يمكن أن يدوم ابتهاجه - ونادرا ما يعلنه - أكثر من نصف دقيقة؟ ... وتمتمت في قلق: أمه ...
فقاطعها محتدا: هل أتيح لإبراهيم أن يراها؟!
فقالت وقد ولى عنها السرور لأول مرة في تلك الليلة: دخل علينا مرة في شقة عائشة باعتباره فردا من الأسرة، فلم أر في ذلك من بأس.
فتساءل مزمجرا: ولكني لم أعلم بذلك.
كل شيء ينذر بالشر، ترى هل يهوي على مستقبل الفتاة بضربة قاضية؟ ... على رغمها اغرورقت عيناها بالدمع، وما تدري إلا وهي تقول مستهينة بغضبته المكفهرة: سيدي، حياة خديجة وديعة بين يديك، هيهات أن يبتسم لها الحظ مرتين.
فرماها بنظرة قاسية وراح يهدر مدمدما مهينما مهمهما كأنما رده الغضب إلى حالة من حالات التعبير بالأصوات التي مر بها أسلافه الأولون، ولكنه لم يزد على ذاك شيئا، لعله أضمر الموافقة من أول الأمر، ولكنه أبى أن يسلم بها قبل أن يسجل سخطه - كالسياسي الذي يهاجم خصمه وإن اقتنع بالغاية التي يستهدفها - ذودا عن مبادئه.
46
مضى شهر العسل وياسين متفرغ بكليته لحياته الزوجية الجديدة، لا يصرفه عنها عمل في النهار حيث وافق زواجه أواسط العطلة الصيفية، ولا سهر بالليل خارج البيت؛ لأنه لم يكن يغادره إلا للضرورة القصوى كابتياع زجاجة كونياك مثلا، وفيما عدا هذا لم يجد لنفسه عملا أو معنى أو صفة خارج نطاق الزوجية، فاندلق عليها بقوة وحماس وتفاؤل خليقة برجل ظن أنه ينفذ الخطوات الأولى في برنامج ضخم من المتعة الجسدية سيمتد يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولكنه أدرك في الثلث الأخير من الشهر أن تفاؤله لا بد أن يكون مبالغا فيه على نحو ما أو أن خللا لا يدري كنهه قد طرأ على حياته. كان يعاني في حيرة بالغة ولأول مرة في حياته ذاك المرض المتوطن في نفس الإنسان الملل. لم يعرفه من قبل عند زنوبة، ولا حتى عند بائعة الدوم؛ لأنه لم يملك هذه أو تلك كما يملك زينب الآن بيمينه، ويحوزها تحت سقف بيته، فأي فتور يتبخر من هذه «الملكية» الآمنة المطمئنة ... الملكية ذات الظاهر الخلاب المغري لدرجة الموت، والباطن الرزين الثقيل لحد اللامبالاة أو التقزز كأنها الشوكولاتة المزيفة التي تهدى في أول إبريل بقشرة من الحلو وحشو من الثوم. وأي مأساة في أن تندمج نشوة القلب والجسد في آلية العادة المنظمة العاقلة الباردة المتكررة القاتلة للشعور والجدة، كأنها رؤية روحانية رفيقة تجسدت في صلاة لفظية ترددها الذاكرة بلا وعي! ... وراح الفتى يتساءل عما دهى ثورته، عما هدى شياطينه، عن ذاك الشبع وأين جاء، عن تلك الفتنة أين ذهبت، أين ياسين وأين زينب، أين الأحلام، أهذا شأن الزواج أم شأنه هو، وكيف إذا تتابعت الشهور في أعقاب الشهور! ليس أنه لم يعد له رغبة فيها، ولكنها لم تعد رغبة الصائم في لذيذ المأكل، هاله أن يدركها الهدوء حيث انتظر لها الازدهار، وضاعف من حيرته أنه لم يبد على الفتاة عارض من عوارض رد الفعل، أو بالأحرى أنها تزيد حيوية ورغبة، فحينما يظن أن النوم بات واجبا بعد طول التعب، لا يدري إلا وساقها تطرح على ساقه، كأنما طرحت عفوا، حتى قال لنفسه: «يا عجبا ... أحلامي عن الزواج تحققت عندها هي!» إلى هذا كله وجد في عناقها نوعا من الاحتشام، وإن طاب له أول الأمر أنه جعله يهيم آخرا في وديان الذكريات التي ظن أنه ودعها إلى الأبد، طغت على رأسه من الأعماق «زنوبة» وأخريات، كما تطفو ودائع البحر عند هدوء العاصفة لا لشر يبيت، فالحق أنه مرق إلى عش الزوجية عامر القلب بالنية الحسنة، ولكن للموازنة والمقارنة والتأمل، وليقتنع أخيرا بأن «العروس» ليست المفتاح السحري لدنيا المرأة، ليس يدري كيف يخلص حقا للنوايا الحسنة التي فرش بها طريق الزواج، يبدو جانب - على الأقل - من أحلامه الساذجة عسير التحقيق، وهو ظنه بأنه سيستغني بأحضان زوجه عن العالم الخارجي، وأنه سيلبد بكنفها العمر كله، ذاك حلم من أحلام الشهوة في سذاجتها، وسيجد من الآن فصاعدا أن الانقطاع عن عالمه وعاداته مما يشق عليه وليس ثمة ضرورة تدعو إليه، وأنه ينبغي أن يتلمس وسيلة أو أخرى - الوقت بعد الوقت - ليحسن الهرب من نفسه وأفكاره وخيبته، حتى المغني المجيد إذا طال في تقاسيم الليالي، انبعث في نفس السامع الشوق إلى الدخول في الدور، ثم إنه في الانطلاق من محبسه فرصة للاختلاط بالأصحاب المتزوجين، لعله يظفر عندهم بأجوبة مسكنة للأسئلة الحيرى التي تلح عليه، ولن يتأتى له من وراء ذلك الدواء الشافي لكل داء ... وكيف يؤمن من بعد اليوم بوجود دواء شاف لكل داء؟! يحسن به من الآن ألا يرسم برامج بعيدة المدى، لا تلبث أن تنهار ساخرة من قدرته على التخييل. ليقنع من تنسيق حياته بالخطوة تلو الخطوة حتى يرى أين يرسو، وليبدأ بتنفيذ اقتراح اقترحته هي - زوجه - عليه بأن يخرجا معا.
ما تدري الأسرة ذات مساء إلا وياسين وزوجه يغادران البيت من دون أن يطلعا أحدا على مقصدهما، بالرغم من أنهما قضيا معهم سهرة المساء. بدا الخروج بالنظر إلى وقته المتأخر من ناحية، وإلى وقوعه في بيت السيد من ناحية أخرى حادثا غريبا أثار شتى الظنون، فما عتمت خديجة أن استدعت نور جارية العروس، وسألتها عما تعلم عن خروج سيدتها، فأجابت الجارية بصوتها الرنان في بساطة متناهية: ذهبا يا ستي إلى كشكش بك.
অজানা পৃষ্ঠা