وقد يكون سر صناعته في هاتين الكلمتين بغير مواربة ولا تدجيل؛ لأنه على أسوأ ما يكون يعربد ولا يدجل.
ولن يستخلص من كلامنا في هذه الصورة المجملة أن شو لم يعمل شيئا، ولم تكن له رسالة خاصة في تاريخ الإنسانية، فغاية ما في الأمر أن الرسالة التي أداها فعلا غير الرسالة التي أرادها أو أراد أن يتسم بها في حكمه وتقديره.
وإنما يقال عن الكاتب إنه لم يعمل شيئا ولم تكن له رسالة إذا استوى ظهوره وخفاؤه، وكان الميدان بعده كما كان يوم وصوله إليه.
وكل شيء يمكن أن يقال عن شو غير هذا المقال.
فإن الفرق لعظيم بين ما كانت عليه الثقافة الفنية في منتصف القرن التاسع عشر، وما صارت إليه في منتصف القرن العشرين، وفضل شو في هذه النقلة البعيدة لا يعلو عليه فضل كاتب ولا أديب في تاريخ الثقافة الحديث.
لقد خلت الساحة التي عمل عليها من ركام الأنقاض والطلول التي كانت مبعثرة فيها، وقامت على موضعها أسس تنتظر البناء وحجارة تصلح للتعمير.
وقد عود الناس السماحة معه فتعودوها مع غيره، ووسع الآفاق الإنسانية بمحاسنه وعيوبه على السواء، فقد عيب عليه أنه يقول بالرأي ونقيضه، ويهجم على المعقل الذي ذب عنه وحماه، فلما رأى الناس كتابا واحدا يحيط بالفكرة الواحدة من جانبي نقدها وتأييدها، آمنوا بحق الخلاف بين الخصمين، وألفوا تعدد النظر حيثما انحصر النظر في جانب واحد يتشبث به ولا يمتد إلى سواه، ولم يعرف العصر الحديث في الأدب الإنجليزي - أو الأدب العالمي - كاتبا ينسب إليه فضل مأثور في ذلك التحول إلا اقترن به فضل مثله لشو، لا ينقص عنه وقد يزيد عليه.
وقد تم لشو ما لم يتم لأقرانه من حسن الأداة في صناعتيه: صناعة الكاتب وصناعة الخطيب، فهو صاحب أسلوب لا يضارعه أسلوب معاصر في السلاسة والصفاء، وهو صاحب صوت أخاذ، يستهوي الآذان ويستحب السامعون أن يصغوا إليه وإن لم يعتقدوا ما يقول.
وقد أنصفه أبناء عصره بما أحاطوه به من الشهرة والإعجاب، فإذا كان نصيبه من الشهرة أوفى نصيب فهو حق لا محاباة فيه ولا مغالاة.
سطور وشذور
অজানা পৃষ্ঠা