وأجمل شو تاريخ المحكمة المخصوصة التي أنشئت لمحاكمة من يعتدون على جنود الاحتلال، وأجمل وقائع المحاكمة وأقوال الشهود، وما جوزي به بعضهم على الصراحة في أداء الشهادة، وأشبع لورد كرومر ووكيله مستر فندلي تقريعا وسخرية على ما كتباه عن القضية إلى وزارة الخارجية. ومنه قول مستر فندلي في تسويغ عقوبة الجلد بمصر: «إن المصريين قدريون لا يهمهم الموت كما تهمهم العقوبة البدنية» ... فكان تعقيب شو على هذا التعليل العجيب أن العجب إذن في أمر الأربعة المشنوقين ... أليسوا من المصريين القدريين.
وقد شملت حملته الوزارة البريطانية والبرلمان الإنجليزي؛ لأنهم لم يمنعوا تنفيذ الحكم بعد تبليغه، وقال إن الإفراج عن السجناء من أهل القرية أقل تكفير منتظر عن هذه الكارثة البربرية.
ولم يزل شو يتابع القضية بعد إقالة لورد كرومر، وأعلن اغتباطه بعد سنة حين أثمرت حملته ثمرتها المشكورة، وأبلغوه أن العفو عن السجناء قريب.
وقد يرد على الخاطر أن شو وقف من قضية دنشواي موقف الأيرلندي المحنق من الدولة البريطانية، فمن خطر له ذلك ليغض من غيرته الإنسانية في موقفه هذا فتصحيح خطئه يزيد الرجل فضلا على فضله، وبيانا لغيرته الإنسانية الخالصة في دفاعه؛ إذ كان بين الضباط البريطانيين المشتركين في الحادث اثنان أيرلنديان من أبناء قومه، فشملهما باللوم الذي شمل به الآخرين.
مناقشة.
والتعريف بهذه الناحية الإنسانية لازم فيما يكتب عن برنارد شو حيثما كان كاتبوه، غير أنه ألزم ما يكون في كتاب ينشر في مصر لقراء اللغة العربية. •••
على أن مصر شغلت «شو» لمناسبة أخرى غير هذه المناسبة المحزنة، ولعلها أقرب إلى الفكاهة التي يجد فيها صاحبنا متاعا لقلمه ولسانه.
فقد تقرر في سنة من السنين الدراسية (1927-1928) تدريس روايته «جان دارك» في الجامعة المصرية، فأثار القرار اعتراضا شديدا ممن سمعوا الرواية ولم يطلعوا عليها؛ لأن النبي عليه السلام يذكر فيها باسم راعي الإبل.
وصلت الحملة على الرواية إلى مجلس النواب، وتصدى أربعة من النواب لاستجواب الحكومة في هذه المسألة، وكان كاتب هذه السطور عضوا فيه فاشتركت في المناقشة لبيان الحقيقة، وذكرت المجلس بموقف الرجل في قضية دنشواي ، وقلت إن العبارة المشار إليها قد وردت على لسان شخص من شخوص الرواية لا على لسان المؤلف، وإن المؤلف وضع على لسان شخص آخر رده المفحم عليها، فقال إن أتباع محمد عليه السلام أوفر أدبا من هذا في كلامهم عن السيد المسيح، وإنهم يوقرون الحواريين، ولا يقولون عن واحد منهم إنه «صياد أسماك».
ونمى الخبر في أثناء ذلك إلى برنارد شو، فقال لمندوب صحيفة «نيوز كرونيكل» الذي قصد إليه لمحادثته في شأنه: «إن ما جاء في الرواية لم يكن رأيي أنا، بل هو رأي الكنيسة في القرون الوسطى.»
অজানা পৃষ্ঠা