إنكم رحماء طبعا، فلما أن ألفتم الصيد والحرب والفتك والقتل صار عادة، والعادات تلحق بالطبائع، فتصير ألزم من الشرائع، ولا تمتاز عن الخلقة الأولية للعالمين، الناس في حاجة إلى الناس، فاجتمعت القبائل والبلدان، والممالك، فتعاونوا، واختص كل بعمل لينفع الجميع، وتولدت من ذلك المطامع فنشأ الخصام والجدال والقتال، فالحرب فأصبح خلقا فيكم، إنه ليس من طبعكم، إن طبعكم المعاونة، فالحرب عارض يزول.
ما أجهل الإنسان يجتمع مع الإنسان للتعاون، فلما طمع وشره وجهل أخذ يستعد لمكافحة أخيه ليتخذ منزله وغذاءه وأرضه! ليس هذا طبعا، هذه عارضة واهية زائلة، ومن عجب أن يدع الطبيعة وأسرارها، والحكمة وثمارها، ويستثمر ما غرس أخوه، عار عليكم أي عار، وجهل فاضح، وفساد واضح.
الفصل الخامس عشر
في الوحدات الإنسانية من اللغة والدين والوطن والجنس والمعاهدات والمصاهرات والملك
الجامع والأب الأكبر والاجتماع في اللون وغير ذلك
وبينما نحن في الحديث، إذا رجل كأنه خادم قدم ومعه صورتان آدميتان، فناولهما إلى ذلك الشيخ، فأخذهما وقلبهما، وأطلعني عليهما، إذا هما صورتا آدميين أبيض وأسود، ثم قال: إن هاتين الصورتين كانتا تلعبان لعبا مزعجا، في هذه السنة يوم أربعة يوليو سنة 1910، وكان يوما مشهودا، وحولهما جمع عظيم من السود والبيض، فهل عندك علم بهما وبأخبارهما؟ قلت: نعم، إن الأسود يسمى جاك جنسون الأسود، والأبيض يسمى جفريس. فقال: خبرني عن حالهما، وعن حال الجمع المحتشد حولهما، ولا تكتم عني شيئا، فإني موقن أني أفهم حالكم الاجتماعي بهذه الحادثة وأخبارها؛ فإني أعرف الأشياء بسيماها، وأستنتج من صغار الأمور كبارها، ومن أقلها أكثرها، ومن أحقرها أعظمها.
فقلت: إن ألواننا بني آدم مختلفة، فمنا الأبيض والأسود والأصفر والنحاسي، وكل طائفة تسكن أماكن من المعمورة وقد يتجاورون، وهذان الرجلان متجاوران في مملكة اسمها بلغاتنا أمريكا، ولقد تجاولا في الملاكمة؛ لينظر الجمع المحتشد أيهما أقوى جسما، وأطول يدا، وأشد بطشا، فمن غلب فله القدح المعلى، وقصب السبق في المال والشرف، ولقد غلب الأسود الأبيض، فغضب البيض على السود، وأخذوا يؤذونهم بالقول والعمل واليد واللسان.
فقال: أهذه أخلاقكم وآدابكم، أتدري لماذا يتخاصمون، وعلام يتجادلون؟ اعلم أنكم يا بني آدم عند العقلاء صبيان، لا تعرفون إلا العرض، ولا تهتمون بالجوهر، ومن تعصب لمجرد اللون فإنه لا يعلم الحقائق ولا ينظر في أهم الأمور، وإذا كانت هذه أخلاقكم فإنكم لا تعلمون من الإنسانية شيئا، قد اتحدتم في الأرواح والحواس الخمس والأعضاء الظاهرة والباطنة، ثم اختلفت الألوان فأصمت آذانكم وغشت على قلوبكم، فأدركتم الخلاف وجهلتم الوفاق، ولم تعلموا كيف تتحدون.
وأنا أقص لك قصص أحوالكم، أأنتم تعرفون نعمة الهواء، وهل تحسون بفضل ضوء الشمس، وهل تقولون: الحمد لله، فتفرحون بالسماء ونجومها والأرض وبحارها، وكثرة أشجارها وأنهارها وسحابها، وإذا اتجهتم إلى ربكم في خلواتكم فخبرني، أتحسون في أفئدتكم بالشكر على النجوم وجمالها والنار وإيرائها، وهذه العجائب المشتركة بينكم؟ قلت: إننا نشكر على كل ما اختصصنا به من مال وجاه وشرف، وإذا عطشنا حمدنا الله على الماء، فإذا كان موفرا حاضرا لم نحس بشكره ولم نفقه نعمته. قال: فأنتم إذن عبيد منكودون لا تعرفون النعم إلا بمنعها ولا تفقهون الحكم والفضائل والآلاء العامة.
أخبرني إذا منع الهواء فكم زمن تعيش؟ قلت: ثلاث دقائق. قال: فالماء؟ قلت: ثلاثة أيام. قال: فالخبز؟ قلت: أياما كثيرة. قال: فأيها ألزم؟ قلت: الهواء. قال: ثم ماذا؟ قلت: الماء. قال: ثم ماذا؟ قلت: الخبز. قال: ثم ماذا؟ قلت: الفاكهة ونحوها. قال: فعلام تحزنون، وعلام تشكرون؟ قلت: على أقلها طلبا، وأشدنا فيها نصبا، وأكثرنا في حزن على ما لا يحتاجه في يومه وإنما يكون زينة أو ذخيرة لغد أو لولد .
অজানা পৃষ্ঠা