37

كانت تحاول عزف مقطوعة «الرقصات البوليفستية».

تأخرت دوري، مما زاد الأمور تعقيدا؛ فالسلاطة المغطاة بالجيلاتين لا بد أن توضع في القبو مرة أخرى خشية أن تلين زيادة عن اللازم، والبسكويت الذي وضع في الفرن كي يسخن لا بد من إخراجه خشية أن يجف بشدة. جلس الرجال الثلاثة في الشرفة حيث كان من المخطط تقديم الوليمة على طريقة البوفيه، واحتسوا عصير الليمون الفوار. أدركت ميليسينت أثر الخمر على أهلها؛ فقد لقي أبوها حتفه بسبب الخمر وهي في العاشرة من عمرها، وطلبت من بورتر أن يقطع على نفسه عهدا بألا يمس الخمر بعد الزواج قط، وبالطبع لم يف بعهده؛ لكنه كان كلما احتسى الخمر نأى بجانبه عنها، فظنت أنه حفظ عهده لها حقا. كان هذا وضعا معتادا جدا آنذاك، على الأقل بين المزارعين الذين درجوا على احتساء الخمر في الحظيرة، والامتناع عنه في بيوتهم. أغلب الرجال كانوا يعتقدون أن ثمة خطبا في أي امرأة لا تضع هذه القاعدة.

لكن موريل عندما خرجت إلى الشرفة بكعبها العالي وثوبها الرقيق المجعد صاحت فجأة: «أوه، شرابي المفضل! الخمر والليمون!» رشفت رشفة وزمت شفتيها في وجه بورتر. «فعلتموها مجددا! نسيتم الخمر مرة أخرى!» ثم استفزت القس سائلة إياه إن كانت بحوزته قارورة من الخمر في جيبه. كان القس لبقا، ولكنه ربما صار متهورا بفعل الملل، قال ليت كان بحوزته قارورة من الشراب!

كان الزائر، الذي نهض كي يتعرف إليه الآخرون، طويل القامة نحيل البدن شاحب البشرة، ووجهه بدا مجعدا ومحدد الملامح وحزينا. لم تدع موريل خيبة الأمل تتمكن منها، جلست إلى جواره وحاولت بحماس أن تجري معه حوارا. أخبرته عن تدريسها للموسيقى، وكان نقدها لاذعا إذ تحدثت عن فرق الجوقة المحلية والموسيقيين، ولم يسلم الأنجليكانيون من لسانها، وألقت اللوم على القس وعلى بورتر، وقصت قصة الدجاج الذي صعد على خشبة المسرح خلال حفل مدرسي أقيم بالمدينة.

نهض بورتر بالأعمال الموكلة إليه مبكرا، واغتسل وبدل ملابسه، لكنه ظل يتطلع بعصبية باتجاه الحظيرة وكأنه تذكر شيئا لم ينجزه. ثمة بقرة كانت تصيح بصوت عال في الحقل، وفي نهاية المطاف استأذن في أن يذهب ويرى ما ألم بها من خطب. اكتشف أن صغيرها علق في أسلاك السياج، وشنق نفسه. لم يتكلم عن هذه الخسارة التي مني بها بعد أن عاد وقد غسل يديه، كل ما قاله: «العجل علق بالسياج.» لكنه ربط بطريقة ما بين الواقعة المؤسفة وهذه الجلسة الترفيهية، حيث التأنق والبذخ، ظن أن ذلك لم يكن بالأمر الطبيعي.

قالت ميليسينت: «هذه الأبقار شقية كالأطفال تماما، فهي دائما ما تريد أن تستحوذ على انتباهك في الوقت غير المناسب!» أطفالها، الذين أطعموا في وقت مبكر، اختلسوا النظر من بين الدرابزين على الطعام وهو يحمل إلى الشرفة. وتابعت قائلة: «أعتقد أننا يجب أن نبدأ دون دوري! لا بد أنكم تتضورون جوعا أيها الرجال، هذه مجرد وليمة بسيطة. أحيانا ما نستمتع بالطعام خارج البيت ليلة الأحد.»

صاحت موريل التي ساعدت في حمل العديد من الأطباق إلى خارج البيت، بما في ذلك سلاطة البطاطس، وسلاطة الجزر، والسلاطة المغطاة بالجيلاتين، وسلاطة الملفوف، والبيض المتبل، والدجاج المشوي البارد، ورغيف السلمون، والبسكويت الساخن، والمقبلات: «فلنبدأ، فلنبدأ!» فور أن جهزوا كل شيء على الطاولة، ظهرت دوري بجوار البيت، وبدت مفعمة بالحماس إما بسبب المسافة التي قطعتها عبر الحقل، وإما بفعل الإثارة. كانت ترتدي ثوبا صيفيا جميلا من نسيج شفاف أزرق زرقة البحر، يزدان بنقاط بيضاء، وياقة بيضاء، ويناسب فتاة صغيرة أو سيدة عجوز. ظهرت بعض الخيوط في المواضع التي حاولت فيها نزع خيوط مهترئة من الياقة بدلا من إصلاحها، وعلى الرغم من الجو الحار ذاك اليوم، كانت ترتدي قميصا داخليا تدلى طرفه من أحد كميها، ومن الواضح أن حذاءها لمعته منذ برهة قصيرة وبطريقة تفتقر إلى البراعة، لدرجة أن المادة المستخدمة في تلميعه تركت آثارا على العشب.

قالت دوري: «كنت سأصل في الموعد المحدد، لكنني اضطررت إلى مطاردة قطة برية وإطلاق النار عليها. ظلت تحوم حول بيتي ولم تكف قط، فاقتنعت بأنها مسعورة.»

كانت قد بللت شعرها، وأعادته إلى الهيئة التي كان عليها مستعينة بدبابيس الشعر. بالنظر إلى شعرها على هيئته هذه، ووجهها الوردي اللامع، بدت أشبه بدمية لها رأس صيني وأطراف ملحقة بجذع قماشي ومحشوة بالقش.

واصلت دوري حديثها قائلة: «حسبتها لأول وهلة تستعد للتزاوج، لكنها لم تتصرف على النحو الذي يوحي بذلك، فهي لم تكن تدعك بطنها مثلما اعتدت أن أرى. ولاحظت بعض البصاق، فحدثت نفسي أنه من الأفضل أن أطلق النار عليها، ثم وضعتها في كيس، واتصلت بفريد نان لأرى إن كان يستطيع أن ينقلها إلى الطبيب البيطري في منطقة والي، أريد أن أتأكد إن كانت مسعورة حقا. ويطيب لفريد دوما أن يجد عذرا ليخرج بسيارته، قلت له أن يترك الكيس على الدرج لو لم يكن الطبيب البيطري بالبيت مساء الأحد.»

অজানা পৃষ্ঠা