قال بخيت: لا بأس عليك، يا سيدتي؛ فإنه والله غير مدرك مسمارا في نعلك وبخيت في قيد الحياة.
قالت وهي تلطم وتندب: أدرك أو لم يدرك، فإن الحياة لم تعد تحلو لي، فلا أريد الحياة في أرض لم تحفظ لي حبيبي. أما في العالم الآخر، فإني أكون آمنة عليه، فاذهب حالا وأتني بالسم وإلا خنقت نفسي بيدي. وجعلت يدها في عنقها، فأمسكها بخيت وحاول تسكين ما بها فلم يستطع؛ لأن عواطفها تسلطت على عقلها، وأي تسلط، وأخذت تلطم وتثب كمن أصيب بجنة وقد حلت شعرها وقطعته، وأوغلت في البكاء حتى بللت ثيابها.
فوقع بخيت في حيرة وأخذ في البكاء معها، ثم لاح له أن يتظاهر بموافقتها، فقال: ها إني أفعل ما تريدين، ولكن خففي عنك الآن لئلا يأتي سيدي ويراك على هذه الحال.
فابتدرته قائلة: لم أعد أحسب حسابا لأحد؛ لأني لست مالكة رشدي، ولا أنا خائفة من شيء، وسأكون عما قليل في جملة من مضت عليهم الأجيال في القبور.
فبكى بخيت آسفا على ذلك، ولكنه تجلد خوفا على سيدته وأخذ يخاطبها بأساليب مختلفة ويصبرها لبينما يأتي الرسول، فلم تكن تصغي إلا إذا كلمها عن الموت.
فقال لها: سأذهب لآتي لك بالسم، ولكن أمهليني بضعة أيام؛ لأن الصيدليات لا تبيع السموم بغير أمر الطبيب، ولا بد لي للحصول عليه من تدبير وسيلة، أفلا تصبرين بضعة أيام؟
قالت: أسرع في استجلابه ما استطعت؛ لأن الموت أفضل من حياتي، وإذا كنت حية بعد حبيبي، فإني أموت كل يوم ألف موتة.
فقال: اجلسي وامسحي عينيك، فها إني ذاهب لأسعى إلى مرامك، فجلست وقد خارت قواها، ثم ألقت نفسها على السرير، وسار بخيت يدبر وسيلة لنجاة سيدته من هذه الورطة.
الفصل الخامس والثمانون
الرجاء
অজানা পৃষ্ঠা