605

مقالات موقع الدرر السنية

مقالات موقع الدرر السنية

প্রকাশক

موقع الدرر السنية dorar.net

المُفْتُون المَفْتُونُون
فهد العيبان
٦ جمادى الآخرة ١٤٣١هـ
لقد ميّز الله تعالى أمة محمد ﷺ بالعلم والعلماء، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الأمناء على دينه وشرعه، وحينما يُفتقد العلماء في الأمة أو يتطاول على مقامهم ومهنتهم أو تخرُس ألسنتهم عن أن يصدعوا بالحق، فإن الأمة حينها تهلك في مهاوي الضلال؛ لأنه سيقوم في الناس من يفتي في شرع الله بغير علم فيَضل ويُضل، كما قال ﵊: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" أخرجه البخاري.
وإن أعظم مقام يقومه العلماء في الناس هو التوقيع عن رب العالمين بالحلال والحرام، وقد ارتضى الله ﷾ هذا المقام الرفيع لنفسه، فقال: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" (النساء: من الآية١٢٧)، وقال: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ" (النساء: من الآية١٧٦).
ثم تولاه رسل الله وأنبياؤه يبلغون عن رب العالمين شرعه وأحكامه ومراده، فقاموا بذلك أحسن قيام ثم ورّثوا هذا العلم لمن بعدهم من العلماء الربانيين، فقاموا في الناس مقام الأنبياء بالتبليغ عن رب العالمين، فكان لزامًا على من تولى هذا المقام أن يكون في المكان الرفيع من العلم والصدق والديانة.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "لما كان التبليغ عن الله يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما يبلغ صادقًا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضيّ السيرة عدلًا في أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات" اهـ.
إن هذا المقام الرفيع هابه أكابر العلماء من سلف هذه الأمة فكان أحدهم لا تمنعه شهرته وعلو شأنه بين الناس أن يقول: لا أدري حين يُسأل عما لا يعلم اقتداء برسول الله ﷺ حين يُسأل المسألة فلا يجيب حتى يسأل جبريل.
إن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم علموا علم اليقين أن الفتيا بغير علم كذبٌ على الله وافتراءٌ عليه، فهابوا ذلك وخافوا منه امتثالًا؛ لقول الله تعالى: "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ" (النحل:١١٦)، وقوله: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" (الأعراف:٣٣).
ولأجل ذلك تورع أصحاب النبي ﷺ أشد الورع عن أن يقولوا على الله بغير علم وهم خير من يبلغ عن الله بعد أنبيائه، فها هم الخلفاء الراشدون مع ما آتاهم الله من سعة العلم وطول الصحبة يجمعون خيار الصحابة وعلماءهم إذا وردت عليهم المسائل والمشكلات، بل إن بعضهم يدفع الفتوى عن نفسه إلى صاحبه لعله يكفيه إياها.
قال البراء ﵁: "لقد رأيت ثلاثمئة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبُه الفتوى".

2 / 102