وانتقل بي هذا التفكير المضطرب إلى محاسبة نفسي وتشديد اللوم عليها، وانتهى ذلك إلى عزمي المؤكد على الانتقال من البيت حتى لا أدع لها ولا لنفسي فرصة أخرى لمثل هذا الموقف المحفوف بالمخاطر لها ولي أيضا، ونظرت إلى ساعتي فوجدت أن موعدي مع سائق السيارة قد فات، فقمت مسرعا وقفزت على السلالم القريبة من مدخل شقة فطومة حتى لا تراني، ولما بلغت الشارع كان المصورون وسائق العربة قلقين في انتظاري عند مدخل الحارة الضيقة وهم لا يعرفون أين منزلي، وفي لحظات كنا في الطريق إلى مصر الجديدة، وما زلت في أثناء السير أحس في أعماقي حزنا غامضا وأجادل نفسي في موقفي من فطومة؛ ولهذا لم أشعر بطول الطريق حتى وقفت العربة ووجدت نفسي أمام قصر السيد الوجيه حسام الدين، فنزلت وأقبل خدم القصر نحوي وانحنوا لتحيتي، ورددت على التحية متنازلا كما يفعل العظماء، واتجهت داخلا ولكني ما كدت أرى المنظر الذي أمامي حتى تسمرت في مكاني وسألت نفسي: أين أنا؟ هل أنا في مصر الجديدة أم في مصر القرون الوسطى؟ ومن أي سوق اشتريت هذه الجواري الحسان الواقفات في صفين على مدخل القصر المنيف.
نعم كان أمامي صفان من فتيات يلبسن ثيابا حريرية من طراز ألف ليلة وليلة تبدي محاسنهن وتصف أجسامهن وتظهر لين قدودهن، ولست أستطيع أن أصف ما اعتراني عند ذلك من الشعور، لم يكن شعوري كما ينتظر سرورا بالمنظر الرائع ولا افتتانا بالحسن البارع، بل شعرت بغصة في حلقي وثورة في قلبي، وكدت أصيح بالذين رأيتهم أمامي قائلا: ما هذا؟ ما هذا التجني على الإنسانية؟ ما هذا الامتهان للآدميين؟ هل عادت لنا عهود الرق التي كانت المرأة تشترى فيها لتكون متعة للعين أو لعبة للهو؟ ولولا أني كنت موفدا من «بريد الأحرار» لأؤدي وظيفتي الصحفية لوقفت حيث كنت، وألقيت محاضرة في كرامة الإنسان، ولكني تمالكت نفسي ودخلت بين صفي الفتيات كما يدخل المقاتل إلى ميدان حرب وقلبه مفعم بالقتال، ولم تطاوعني نفسي أن أنظر إلى يميني أو يساري، فاتجهت بعيني إلى الأرض، وكانت الأرض مفروشة بممشى من السجاجيد الفاخرة التي تزري بألوان الأزهار في أحواض الحديقة المحيطة من الجانبين، وكانت الأنوار الملونة على جانبي الممشى تخلع على الزهر بهاء فوق بهاء الربيع والأنوار الساطعة في القصر تنادي من بعيد بالعظمة والأبهة، وسمعت من خلفي نداء هامسا فالتفت فإذا هو مصور يستلفت نظري إلى صفي الفتيات، ويطلب أمري أن يأخذ لهما صورة، فقلت له في اختصار: «خذ أنت وأصحابك ما تشاءون فأنتم أخبر مني بما ينبغي.»
وتركتهم خلفي وسرت متجها إلى القصر، فصعدت على السلم الرخامي الواسع حتى إذا ما بلغت البهو كنت في جهد شديد أريد أن أستريح كأنني كنت في رحلة شاقة طويلة، فما كدت أدخل حتى عمدت إلى ركن من الأركان البعيدة وتهالكت على مقعد ووضعت ساقا على أخرى، واستندت إلى الظهر وأخذت أرقب من هناك من يدخلون من الباب ورأسي مشتعل بما يشبه الحمى.
وكان المرح يشيع في الجو الدافئ، والحسان الكثيرات يقلبن أبصارهن في الحضور من وراء أكتاف الرجال الجالسين حولهن، ويوزعن البسمات الفاتنة هنا وهناك.
ورأيت حسناء تجلس وحدها في ركن قريب مني، وتشعل سيجارة، وتضع ساقا على الأخرى كما فعلت أنا، ولست أدري ماذا جعلني أبتسم من تلك الحركة التافهة، فحسبت الحسناء أنني أبتسم لها فردت بابتسامة عاطفة، وجاء صاحب الدار الشاب عند ذلك، فحياها وتحدث معها بكلمتين في رقة، ثم أقبل علي يحييني، ولما عرف أني مندوب «بريد الأحرار» رحب بي ترحيبا كريما، ودعاني إلى استقبال الأمير، فقمت معه وبدأت أتعرف إلى بعض الوجوه المزدحمة قريبا من مدخل البهو، وكان هناك صحفي عرفته ذات يوم في دار النقابة، وهو شاب يمتاز بشخصية عجيبة استرعت نظري منذ أول جلسة، ولما رآني أسرع نحوي وصافحني ووقف إلى جنبي، والظاهر أنه استأنس بي عندما رآني كما استأنست به؛ لأننا كنا غريبان هناك، وأخذ الأستاذ عطية يحدثني أحاديث لاذعة عن الواقفين حولنا في همسات عالية شعرت منها بحرج شديد، وأشار في أثناء حديثه إلى الحسناء السمراء التي بادلتها الابتسام عن غير قصد، وأخذ يحدثني عنها قائلا: أتعرف من هذه الفاتنة؟
فقلت: لم أرها إلا في هذه الساعة، ولكنا تبادلنا الابتسام.
فضحك ضحكة عالية ثم قال بهمسته العالية: حاذر يا صديقي فإنها جبارة، هي الست هدى العبقرية.
وكدت أصيح عندما سمعت اسمها، وتذكرت اسم السيدة التي تحدثت عنها فطومة، واستمر الأستاذ عطية يقول: هي تجمع في شخصها عالما كاملا: صحفية وتاجرة وسياسية وموردة للجيوش وواسطة خير في كل شيء، وغير ذلك ما يخطر وما لا يخطر على بالك، ثم هي بعد ذلك صاحبة صالون مدهش للكبار من المصريين والأجانب ولكل من له موهبة من الشباب من الجنسين.
وضحك ضحكة عالية أخرى.
فقلت في فضول: وأين تسكن؟
অজানা পৃষ্ঠা