والأسانيد في ذلك أسانيد لا يدخلها وهَن ولا خلل، وليست كغيرها.
ولم يأت عن أحد من الصحابة سواه من ذكر المرض وذكر العدو ما جاء عنه، لأن الأحاديث التي رُوِيَت عن عبد اللَّه بن مسعود إنما هي كلُّها في المرض، وليس فيها ذكر العَدُوِّ، والأحاديث التي رُوِيَت عن عمر إنما هي فيمن أخطأ العَدد ففاته الحج، أو أضل رواحله ففاته الحج، ولم يُذكر في شيء منها أمر العدوّ، والأحاديث التي رُويت عن ابن عباس أكثرها تدل على مذهب ابن عمر، وليس فيها من التلخيص ما في أحاديث ابن عمر.
فإذا كان هذا هكذا، فليس رواية أولى بأن تُتَّبَع من الرواية عن ابن عمر، مع أنه إذا تُدُبِّر قولُ من يقول في الإحصار: إن العدو والمرض في ذلك سواء، وأنه يَبعث بالهدي، ويَجعل بينه وبينه يوم أَمارٍ (^١) إذا بلغ الهديُ مَحِلّه حَلَّ، عُلِم أن هذا لا وجه له، لأن المحرم قد صده العدو عن النفوذ (^٢) إلى موضع حِلِّه، فكيف يصدونه ويكون الذي يَبْعث معه بالهدي غير مصدود؟
قال اللَّه ﷿: ﴿كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، فبين أنهم صدوه وحبسوا الهدي أن يبلغ محله، ثم حل ﷺ ونحر هديه في موضعه، ولقد غَلُظَ (^٣) ذلك على أصحابه أو على كثير منهم، ودخل قلوبَهم ما دخل.