চিন্তা এবং মানুষ: পশ্চিমা চিন্তার ইতিহাস
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
জনগুলি
وهذه صفة هامة: أن يستحق الأداء الإتقان. وكان الإغريق يميزون في جميع نواحي نشاطهم الفرق بين الطيب والخبيث، والأفضل والأسوأ. ولم يفترضوا أن هذه الحاجات البشرية الطبيعية يمكن إشباعها بسهولة وبطريقة آلية، وذلك بأن يسمح لكل فرد أن يؤدي دائما ما يجده أيسر من غيره. لم يعتقدوا ما يشبه فتح الصنبور وإتاحة الفرصة لرغباتهم أن تتدفق، بل على العكس من ذلك كانوا يعتقدون في التربية، والتدريب، وفي الحد من رغباتهم. وحكمتهم الشعبية (وهي دائما مصدر مفيد لمؤرخ الفكر) تقول: «لا إسراف.» وهي بداية طيبة لكي نفهم المبدأ الإغريقي العظيم الذي يقول بالحد. ولكن الرأي الكلاسيكي يرد فيما كتب أرسطو، وبخاصة في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس».
يقول أرسطو إن أسلوب العيش الصحيح هو أن نحقق مبدأ الاعتدال بين الكثرة والقلة. فأنت تحب الطعام - ولا بأس من ذلك؛ فالطبيعة قد أرادت لك ذلك. ولكنك إن أفرطت في الطعام سمنت، وأصبحت مدعاة للضحك، ولم تعد فاضلا، وهب أنك تفكر كثيرا في ازدياد وزنك حتى إنك لتفقد متعة الطعام، أو أنك ألقيت بالا للفيتامينات والحديد وغير ذلك من آراء فيما يختص بالتغذية (والإغريق بطبيعة الحال لم يعرفوا عن الفيتامينات شيئا)، أو أنك تحولت إلى نباتي عن قصد، فإن الإغريق في كل هذه الحالات يقولون إنك تهلك نفسك من الجوع، وتحرم نفسك بحماقتك من الطيبات، وإنك تسير بنفسك نحو الهزال الممقوت، وإنك في الواقع مذنب ترتكب رذيلة الإمساك (لاحظ جيدا أن الإمساك قد أصبح في بعض النظم الأخلاقية الشكلية في المسيحية فضيلة لا رذيلة، وأن التخمة باتت إحدى الخطايا البسيطة في المسيحية). وفيما بين التخمة والإمساك تقع فضيلة الطعام الطيب عند الإغريق.
وتستطيع أن تضرب بنفسك الأمثال المحسوسة لهذه القاعدة الخلفية الإغريقية. ولذا فإن الامتناع عن الاتصال الجنسي، والعزوبة، أمر غير طبيعي عند الإغريق، أمر فيه مبالغة، ومن ثم فهو غير فاضل. كما أن الفوضى في الحياة الجنسية، وتسلط الشهوة والاهتمام المفرط بالاتصال الجنسي، هي كذلك أمر سيئ؛ ولذا فهو غير فاضل. والوسط الذهبي هنا، وفي غير ذلك من الشهوات، يقتضي السيطرة على النفس، والاتزان، والاعتدال، وكمثال أخير لذلك نقول إن الشجاعة فضيلة من غير شك، وهي فضيلة طيبة للرجولة. والجبن - وهو الافتقار إلى الشجاعة - رذيلة شديدة الوضوح. ولكن المبالغة في الشجاعة هي كذلك رذيلة، نسميها عادة: التهور، أو الاندفاع، وهي ليست صفة الرجل الشجاع، إنما هي صفة الرجل المتظاهر بالشجاعة.
وهذا المثل الأخير يمدنا بسر الإحساس الذي كان ينتاب الإغريق القدامى في تلك المشكلة الأبدية للبشرية - مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع الذي هو جزء منه. إن المتظاهر يفكر دائما في نفسه وفي الطريق التي تسوقه إلى مكانه تحت الأضواء، وهذه المبالغة في الاهتمام بالنفس كان الإغريق يمجونها؛ بل إنهم كانوا يحطون من شأن الفرد الذي يسعى أن يشق طريقه بغض النظر عن زملائه في المدينة الحكومية، حتى إن اللفظ الذي كانوا يعبرون به عن «الخاص» هو نفس اللفظ الذي نعبر به نحن اليوم عن «الأبله».
وما كان للأثيني في العهد العظيم أن يدرك ما يعنيه كثير من الأمريكان من قولهم: «الفردية المستوحشة». وقد كانوا بالتأكيد يمجون مثل هذه الفردية. وكانت الثقافة الإغريقية العظمى - من ناحية أخرى - تقوم بالفعل على المنافسة بين الأفراد؛ فكان الرياضيون منهم يتبارون في الألعاب الأولمبية، وفي كثير غير ذلك. وشعراؤهم كذلك كانوا يتبارون في التشرف بأداء مآسيهم رسميا، وكانوا يمنحون جوائز خاصة - للأول والثاني والثالث. وكان الفرد الذي يقوم بعمل يستحق الأداء في نظر الإغريق، والذي يتقن هذا العمل إلى درجة قصوى، يشار إليه بالبنان ويلقى التكريم باعتباره فردا. ويتضح مما نعرف عن الحياة الأثينية في العصر العظيم أن الشخصية، والصفات الذاتية، بل ربما كذلك درجة يسيرة من الشذوذ، كانت مما ينال التقدير ويظفر بالتشجيع.
وهكذا نرى في مجال آخر تلك الصفة التي تميز بها الإغريق، وهي محاولة بلوغ الوسط بين الإفراط والتفريط؛ فهم لم يريدوا مجتمعا من الأفراد المتشابهين ولا مجتمعا من الأفراد المختلفين، لم يريدوا أن يسلك الأفراد في المجتمع سلوك النمل أو النحل، في نظام، وبغير تفكير، ككثير من الأفراد الآليين - وإن يكن خصوم إسبرطة ظنوا أن الإسبرطيين قد اقتربوا من هذا الضرب من السلوك. وهم كذلك لم يريدوا أن يسلك الأفراد في المجتمع سلوك القطط، كل لنفسه، وكل يتفاخر بطريقته الخاصة، وكل على استعداد دائما لأن ينقض على فريسته - وإن يكن خصوم أثينا ظنوا أن الأثينيين قد اقتربوا من هذا الضرب من السلوك. وإنما أرادوا أن يكون الرجال مواطنين وأفرادا في وقت واحد، وأن يخضعوا للقوانين العامة والعادات العامة، على ألا يعيشوا عيشة رتيبة تتحكم فيها العادة، وأن يكونوا كفريق اللاعبين الطيب، على أن يلمع كل منهم كنجم من النجوم، ومما لا شك فيه أنهم لم يبلغوا في أدائهم في كل حالة من الحالات المثل الذي ضربوه لأنفسهم.
وإنما بلغوا هذا المثل في أحسن الحالات فيما وصل إلينا من فنونهم، أو لعلهم فعلوا ذلك في شكل واضح جدا لنا بعد ألفي عام من عهدهم. وقد حاول النقاد قرونا عدة أن يصفوا بالألفاظ ما حققه الإغريق كفنانين، فتحدثوا عن القياس، وعن الاتزان، والتحفظ، والانسجام، وعن السكون، والكرامة. وهم يستعملون صفات مثل: الهادئ، والمكتفي بذاته ، والنظامي، والمتعلم، ولكن أكثرهم - برغم ذلك - يصرون أيضا أن ذلك ليس معناه أن يكون الفن شكليا، لا حياة فيه، ولا عاطفة، وإنما معناه أن يكون عميقا، متحركا، نشطا. ونستطيع أن نقول في كلية موجزة إن النقاد يعتقدون أن قلة من نوابغ الإغريق على الأقل قد حققوا شيئا يكاد يبلغ حد الكمال في الفن - وذلك هو الوسط الذهبي، وهو ليس مجرد التوسط، وليس مجرد التوفيق بين الطرفين، وإنما شيء - كالحياة ذاتها - يتجاوز «الإفراط»، كما يتجاوز «التفريط».
وإذا أنت نظرت إلى أمثلة محسوسة من هذا الفن - ويحسن أن يكون ذلك بالموازنة مع أشكال الفن الأخرى غير الإغريقية - استطعت أن تحكم بنفسك، وبقي الإغريقي - بطبيعة الحال - مرموقا منذ الحين، وأصبح يعرف في مجتمعنا بالكلاسيكي. وقد ألف النقاد أن يوازنوا بين هذا الفن الإغريقي وفن شعوب الشمال الذي جاء بعد ذلك، والذي يسمونه الرومانتيكي، وسوف نعود إلى هذه الثنائية في الكلاسيكي الرومانتيكي عندما نبلغ العصر الحديث، ويكفينا هنا أن نلاحظ أن الأعمال الفنية المحسوسة تختلف اختلافا بينا، مهما تحاول الكتب المدرسية أن تجعل هذا الخلاف من الأمور المجردة التي لا تمت إلى الواقع بصلة.
انظر أولا إلى معبد أثيني، وليكن البارثينون في أثينا، كما هو اليوم في أطلاله، وكما صوره الأثريون (في النماذج)، ثم انظر إلى كاتدرائية غوطية، ويحسن أن تكون فرنسية، ككاتدرائية شارتر أو أميان. ثم انظر إلى مركز روكفلر أو مبنى الأمباير ستيت في نيويورك، أو إلى أي بناء أمريكي شامخ. ثم فكر في عبارات النقاد التي أوردناها. إنك سوف تجد لها مغزى. المعبد الإغريقي منته، في حين أن الكاتدرائية الغوطية وناطحة السحاب الأمريكية تبدوان كأنه قد تحتم عليهما أن تواصلا الصعود. وكأن المعبد الإغريقي - بالرغم من أعمدته الرأسية - يؤكد الأفقي، في حين أن الأبنية الغوطية والأمريكية تؤكد الرأسي قطعا. الأول يبدو كأنه راض ومرتبط بالأرض، وتبدو الأخرى طموحة منطلقة إلى السماء. الأول كالصندوق، والأخرى كالشجرة - أو الغابة.
ولا يفتقر هذا الفارق - بطبيعة الحال - إلى تفسير معقول أو طبيعي؛ أي إلى تفسير يحاول أن يلتمس السبب في المفارقة في شيء هو في النهاية خارج عن إرادة الإنسان (أو مثله، أو آرائه، أو أهدافه، أو آماله). ويعتقد بعضهم أن خطوط المعبد الإغريقي يحددها مناخ البحر المتوسط الصافي، وأن خطوط المعبد الغوطي يحددها جو الشمال كثير الضباب، وهناك نظرية تقول بأن البنائين الإغريق إنما نقلوا إلى الحجر خطوط المباني الخشبية البسيطة للإغريق القدامى. وهناك نظرية تقول بأن الكاتدرائية الغوطية تضرب في الهواء لأن المدينة في العصور الوسطى كانت محدودة المساحة مسورة بحيث لم تسمح لها بمساحة أفقية. ومن هذه النظرية اشتقت النظرية الأخرى التي تفسر ناطحة السحاب الأمريكية بالمساحة المحدودة في جزيرة مانهاتن. وهناك نظرية أخرى تقول بأن شكل العبادة (سواء أكان طقوسيا أم كنائسيا) في الديانة الأولمبية الإغريقية وفي المسيحية الغربية هو الذي حدد أشكال المباني التي تقام فيها، وهناك نظريات كثيرة أخرى.
অজানা পৃষ্ঠা