ولا جدال في أن العلم من أهم الضوابط التي تساعد على وضع الحريات العملية في نصابها، فعن طريق نشر المعرفة وتوفيرها لأكبر عدد ممكن من الناس، يستطيع العلم أن يضع الأسس الحقيقية التي لا يكون للحريات العملية بدونها قيمة، فجميع الحريات الديمقراطية - مثلا - تكتسب قيمتها الكاملة حينما تعرف الجماهير الحقائق الأساسية عن الأمور التي يراد منها أن تصدر حكمها عليها، أو تشترك في اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها، وبدون العلم لا يكون لحرية التفكير معنى؛ إذ إن المرء إذا لم يكن قد تعلم كيف يفكر فمن العبث أن يتوقع المجتمع منه أن يفيد من حرية التفكير، مهما يكن نطاق هذه الحرية. أما حرية التعبير، فماذا تعني بالنسبة إلي إذا لم أكن أعرف كيف أعبر عن نفسي، وإذا لم تكن لدي معلومات عن العالم أو عن المجتمع أو التاريخ؟ إن العلم - دون شك - هو الأساس الذي بدونه تكون الحريات المعروفة كلها نفاقا أو كلاما أجوف، والمعرفة في ذاتها سبيل إلى الحرية، سواء أكانت مقترنة باعتراف شكلي بالحريات أم لم تكن، إن «الحقيقة تحرر الإنسان»؛ لأن معرفة حقائق الأمور هي في ذاتها سبيل إلى تحرير الناس من ربقة الجهل ومن عبودية الخداع.
ولو تعمقنا هذه الفكرة الأخيرة؛ لاتضح لنا أن قدرا كبيرا من الجدل الذي يدور حول الاعتراف أو عدم الاعتراف بالحريات العملية لا يمس - في واقع الأمر - صميم المشكلة الحقيقية؛ ذلك لأن لب الموضوع ليس الاعتراف الشكلي بهذه الحريات، وإنما هو ضمان الأسس التي يمكن بناء عليها ممارسة هذه الحريات - عندما تتوافر - ممارسة سليمة، مثال ذلك: إن الصحافة التي توجد في بلد يعترف اعترافا شكليا كاملا بحرية الإعلام، ويحيط هذه الحرية بجميع الحصانات القانونية الممكنة، لا يمكن أن تسمي نفسها صحافة حرة إذا كانت مليئة بالأكاذيب، أو كانت تبدد وقت القراء سدى في مهاترات أو تفاهات، ولو قارنت هذه الصحافة بأخرى في مجتمع لا يتشدق إلى هذا الحد بحرية الإعلام. ولكنه ينشر في صحافته قدرا أكبر من الحقائق؛ لكان المجتمع الأخير - في واقع الأمر - أعظم حرية من الأول؛ إذ إن الحقيقة - كما قلنا - هي التي تحرر الإنسان.
ومع ذلك فإن العلم ذاته يستخدم في وقتنا الراهن على نطاق واسع ليكون أداة لتكبيل الإنسان بقيود خفية لا يكاد يشعر بها إلا صانعوها. ومن الغريب حقا أن نفس هذه الأداة - التي رأينا منذ قليل أنها الضامن الحقيقي لكل حرية يصبو إليها الإنسان - تتحول على أيدي كثير من الأخصائيين البارعين إلى وسيلة فعالة لصب عقول الناس في قوالب جامدة لا أثر فيها لأي نوع من الحرية، وإذا كان التسلط على العقول والسيطرة عليها بوسائل ذكية ظاهرة قديمة عرفتها البشرية منذ عهود بعيدة، فإن الجديد في عصرنا هذا هو أن هذه السيطرة تتم - بأكمل صورة ممكنة - على عقول تتوهم نفسها حرة، بل توقن يقينا بأن كل ما تمليه عليها تلك القوى المسيطرة إنما صدر عن إرادتها الحرة ورغبتها الواعية.
والواقع أن أدوات السيطرة على العقول قد وصلت - في عصرنا الحاضر - إلى درجة عالية من الإتقان، ويكفي دليلا على ذلك أن أشد الدول تعارضا تستطيع أن تقنع شعوبها بعدالة قضيتها، وتجد كل منها بين شعوبها من يتحمس لهذه القضية تحمسا كاملا، مع أن من المستحيل أن تكون الدولتان اللتان تدافع كل منهما عن قضية مضادة لقضية الأخرى على حق في آن معا، وبعبارة أخرى: فإن معيار الحقيقة المطلقة - التي لا يختلف عليها اثنان - لم يعد ساريا على الصراعات السياسية والأيديولوجية في عالمنا المعاصر، وأصبح من المألوف أن نجد خصمين يؤمن كل منهما عن اقتناع كامل بحقيقة مناقضة لحقيقة الآخر، دون أن يكون ثمة أمل في وصولهما إلى حل لهذا التناقض؛ ففي عالمنا أصبحت الحقيقة المزدوجة - وربما الثلاثية أو الرباعية الأطراف - أمرا مألوفا غير مستغرب. وليس لهذه الظاهرة من تعليل سوى القدرة الفائقة التي اكتسبتها أساليب التحكم في العقول في عصرنا الحاضر؛ إذ إن الحقيقة في أي موضوع واحد ستظل حقيقة واحدة مهما تغيرت الأزمان، والاقتناع الراسخ بحقائق متناقضة يعني أن هناك أساليب غير منطقية قد استخدمت من أجل بث يقين كاذب في ذهن أحد الطرفين على الأقل، إن لم يكن كليهما معا.
وحسبنا أن نجول بأنظارنا في عالمنا المعاصر لنرى أمثلة لا حصر لها لظاهرة التحكم في العقول من أجل إقناعها بقضية كاذبة؛ ففي ألمانيا النازية سيق شعب كامل - له في العلم وفي الفن وفي الفكر تاريخ مجيد - إلى مجازر استنزفت منه ومن البشرية كلها أرواحا وأموالا لا حصر لها، واقتنع هذا الشعب -بالرغم من ماضيه المجيد هذا - بأشد الأساطير بطلانا عن تفوق العنصر الآري وامتياز الأمة الجرمانية وسيطرة الرايخ الثالث على العالم لمدة ألف سنة، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الأكاذيب التي عانت الإنسانية كلها من أجلها ويلات وكوارث لا تحصى، ولم يمض وقت طويل على انتهاء الحرب وزوال الغشاوة عن أعين الألمان؛ حتى أدركوا مدى الزيف الذي عاشوا فيه، وقبلوه عن طيب خاطر، وحاربوا وماتوا من أجله طوال اثنى عشر عاما، بل إن بعضا من مجرمي الحرب النازيين كانوا - خلال محاكمتهم - يعربون عن مشاعر ندم حقيقية، وحسبنا أن نذكر منهم «فرانك» وزير داخلية هتلر، وأحد كبار المسئولين عن المذابح النازية، فقد وصل ندمه إلى حد انتابته معه نوبة من الكآبة كان يستعجل معها إعدامه، وتضمنت أقواله شواهد سيكولوجية رائعة عن حالة التخدير العقلي التي كان الملايين واقعين فيها خلال الحكم النازي، والتي كانت تؤدي بهم إلى ارتكاب أفعال يستحيل أن يقرها المرء لو كانت لديه أدنى قدرة على التفكير الموضوعي.
وفي عصرنا الراهن نجد مثالا صارخا على عجز العقل البشري أمام سيل الدعاية الجارف في حرب فيتنام، حيث يطلب إلى مئات الألوف من زهرة شباب الأمريكيين أن يموتوا في سبيل الدفاع عن نظام فاسد يحكم بلدا تبعد عن بلادهم ألوفا عديدة من الأميال، ومجرد استمرار الحرب حتى يومنا هذا دليل على أن نسبة غير ضئيلة من هؤلاء الشبان مقتنعون بهذه الحرب إلى الحد الذي يبرر - على الأقل - استمرارهم في القتال. ومع ذلك فإن معظم من يقعون منهم في الأسر، يدركون - بعد أن يزول عنهم أثر الدعاية المخدرة وتعرض عليهم وجهة النظر المضادة - أنهم كانوا يحاربون من أجل قضية زائفة وخاسرة، ويبدون ندما شديدا على أفعالهم.
أما في عالمنا العربي، فإن الدعاية الصهيونية تقدم إلينا مثلا صارخا لما يستطيع التخدير المنظم للعقول أن يصل إليه من تزييف كامل لأهداف الناس وغاياتهم، فأشد الصهيونيين فهما لموقف بلاده لا يستطيع أن يأتي، دفاعا عن هذا الموقف، إلا بحجج لا عقلية تنتمي في نهاية الأمر إلى مجال الانفعالات الساذجة، أو الأساطير التي عفا عليها الزمان، وبهذه الأساطير يخدع نفسه ويدعي لليهود حقا في بلد أقام فيه غيرهم طوال ما يزيد على ألفي عام. ومع ذلك فعن طريق الدعاية المنظمة والتربية المنحرفة للصغار؛ استطاع الصهيونيون أن يكونوا لأنفسهم أنصارا متحمسين بل متعصبين بين يهود العالم، وحاولوا - وما زالوا يحاولون - أن يزيفوا عقول أبناء طائفتهم من أجل دعم قضية لا شك في بطلانها.
في كل هذه الحالات، يقف العقل البشري عاجزا أمام سيل الدعاية الجارف، الذي يستخدم أحدث الأساليب العلمية في تربية الصغار وتوجيه الكبار. وربما استطاع عقل ناقد لماح أن يقاوم تأثير هذه الدعاية حينا من الدهر. ولكنه في نهاية الأمر يستسلم لها، وتنهار مقاومته - إلا في القليل النادر - أمام الإلحاح والتكرار المستمر، وأساليب الحض الظاهر والخفي، والإقناع المباشر وغير المباشر، والترويج للفكرة الكاذبة يوميا في الصحف والتلفزيون والإذاعة، وهكذا فإن الإنسان المعاصر - على الرغم من كل ما اكتسبه عقله من تعمق ناجم عن التقدم الهائل في العلم الحديث - لم يعد قادرا على مقاومة التزييف الذي يفرض عليه بطريقة علمية منظمة، فتكون النتيجة هي تلك الانحرافات الشنيعة في سلوك أمم بأكملها.
وإذا كان تأثير الدعاية ينصب أساسا على المواقف السياسية والأيديولوجية، ويزداد تركيزا في أوقات الحرب والأزمات بالذات، فإن الإنسان الحديث يتعرض - بتأثير الإعلان - لنوع آخر من الخداع العقلي يمارس تأثيره في الحياة اليومية، ويؤدي بدوره إلى إضعاف مقاومة العقول وشل قدرتها النقدية؛ ومن ثم إلى القضاء على جانب هام من جوانب حريتها؛ ففي كل يوم تنهال على الإنسان العصري - الذي هو ميال بطبيعته إلى الاستهلاك - مئات الإعلانات التي تهيب كلها بالعناصر اللاعقلية في طبيعته وتتوسل - من أجل بلوغ أغراضه - بسلطة شخص مشهور، أو بجاذبية فتاة جميلة، أو بإرضاء غرور قارئ الإعلان والمبالغة في تفخيمه وتعظيمه، وكلها وسائل تستهدف في نهاية الأمر تحطيم مقاومة العقل وإضعاف قدرته على النقد والتمييز بالإلحاح والتكرار الذي لا ينقطع.
مجمل القول إذن: إن العلم الذي لا تقوم للحريات العلمية بدونه قائمة ، يمكن أن يكون هو ذاته أداة تؤدي إلى ضياع أعظم الحريات الإنسانية قيمة، ألا وهي حرية التفكير النقدي، والقدرة على الحكم المستقل على الأمور، ومن ذلك ننتهي إلى أن العلم وحده ليس ضمانا كافيا لتحقيق الحرية عمليا، وإنما ينبغي إلى أن العلم وحده ليس ضمانا كافيا لتحقيق الحرية عمليا، أنما ينبغي أن يقترن العلم بقيم إنسانية توجه ما ينطوي عليه من قدرات وإمكانات هائلة في الاتجاه الذي يضمن تحقيق أعظم قدر من التحرر للإنسان. (2) الحرية الشخصية والبحث العلمي
অজানা পৃষ্ঠা