لا شك في أن الدراسة الجادة للتاريخ تبدو وكأنها تقتضي على الشعور الإنسان بالحرية؛ فكلما ازداد المرء تعمقا في معرفة التاريخ؛ بدت له الأحداث البشرية خاضعة لعوامل طاغية كانت هي المتحكمة في ماضي الإنسان منذ بدايته. صحيح أن البشر خلال حياتهم في عصر معين يخيل إليهم أنهم أحرار حرية تامة فيما يقومون به من أفعال، وإذا أحسوا بأن أفعالهم خاضعة لقهر خارجي، فإنهم ينسبون الحرية الكاملة إلى الحاكم الذي أخضعهم لإرادته، أو الزعيم أو القائد الذي استطاع أن يوجههم نحو أهداف لم يكونوا ليتجهوا إليها لو أنهم تركوا وشأنهم، كلما كان المرء قريبا من زمان وقوع الأحداث، بدت له هذه الأحداث حرة، وخيل إليه أن كل ما وقع منها كان يمكن ألا يقع. ولكنه حينما يقف على مبعدة منها، أي حين يمضي من الزمن قدر كاف لكي يتأمل المرء الأحداث الماضية بنظرة شاملة، تبدو له هذه الأحداث خاضعة لأسباب حتمية، ويختفي طابعها العرضي بالتدريج؛ لكي تحل محله الضرورة الحتمية، وبازدياد التعمق في دراسة التاريخ، والابتعاد الزمني عن وقت الأحداث، لا تبقى في نهاية الأمر إلا التيارات العامة، والتسلسل المحتوم للحوادث، ويظهر كل ما كان يبدو عارضا في وقت حدوثه على أنه حلقة في سلسلة مترابطة ترابطا محكما.
وهكذا فإن الأحداث التاريخية تبدو أشبه ما تكون بميناء ترى تفاصيله ونبضات الحياة في طرقاته ومبانيه وأنت تعيش في جنباته، حتى إذا ما ركبت سفينة وأخذت تبتعد عن الشاطئ، تلاشت أمامك التفاصيل رويدا رويدا، ولم يبق من كل هذه الحياة النابضة الصاخبة إلا الخطوط العامة أو الهيكل الخارجي في الأفق البعيد، ومن موقع الابتعاد هذا تبدو حياة البشر محكومة بقوانين قد تختلف بعض تفاصيلها باختلاف ميادين تطبيقها. ولكنها في نهاية الأمر سارية على السلوك الإنساني عبر التاريخ بلا تخلف.
وإذن فكلما اتسعت نظرتنا إلى تاريخ البشر وامتدت عبر فترات زمنية طويلة، تكشفت لنا الخيوط الخفية التي تربط بين الحوادث في خطوط قد يراها البعض مستقيمة، وقد يراها غيرهم دائرية أو متعرجة أو ملتوية. ولكنها على أية حال موجودة دواما، وكلما ازدادت هذه الخيوط الخفية تكشفا؛ ازددنا اقتناعا بأن العوامل المسيطرة على تاريخ البشر ثابتة، وتضاءل بالتدريج دور الشخصيات الفردية مهما تكن عبقريتها؛ لكي تحل محلها قوى متحكمة تعلو على الأفراد.
ولكن هل يعني ذلك أن دراسة التاريخ تفضي إلى اليأس من حرية البشر؟ وهل يؤدي بنا التعمق في هذه الدراسة إلى أن نقف مكتوفي الأيدي ونتأمل في يأس هذه العوامل التاريخية الغالبة على القوى الفردية، وهي تقود مسيرة البشر الذين لا يملكون لها دفعا؟
إن التاريخ - قبل كل شيء - من صنع الإنسان، ومهما يكن من حتمية تلك العوامل التي تطغى على القوى الفردية، فإنها أولا وأخيرا عوامل بشرية، ولم تكن قوانين الماضي حتمية إلا لأن البشر أرادوها - بطريقتهم الخاصة في السلوك - أن تكون كذلك، وإذا كانت أفعالنا الماضية قد خرجت تماما عن نطاق إرادتنا، (أي أصبحت «في ذمة التاريخ»، كما يقول التعبير الشائع) فإن أفعالنا في المستقبل ما زالت خاضعة لهذه الإرادة. صحيح أننا نصور التاريخ في المستقبل بنفس صورة التاريخ في الماضي. ولكن هذه طريقة في الكلام تنطوي على قدر غير قليل من التجاوز؛ لأن التاريخ هو الماضي لا المستقبل، وكم من الفلسفات كانت تؤكد حتمية القوانين التاريخية المستمدة من ماضي البشر، لا لكي تسد الطريق أمام حرية الإنسان، بل لكي تزيد هذه الحرية تدعيما، فلو ظلت القوانين الحتمية التي استخلصت من الماضي سارية على المستقبل لكان في وسعنا - مع ذلك - أن نستغل هذه القوانين أو «نركب موجتها»، من أجل التحكم في مستقبلنا على نحو أفضل. أما إذا كان مجال تغيير هذه القوانين مفتوحا في المستقبل؛ فعندئذ تكون دراسة الماضي وسيلة لكي نستخلص منه دروسا تعيننا على تجنب ما وقعنا فيه من أخطاء.
مجمل القول إذن إن دراسة التاريخ - التي تبدو لأول وهلة متعارضة مع حرية الإنسان - تفتح أمام هذه الحرية مجالات جديدة، وتعصم الإنسان في بحثه عن مستقبل أفضل من الوقوع في أخطاء الماضي، وتقدم إليه من خلاصة التجارب الماضية ما يتيح له استغلال فاعليته على أفضل نحو في سبيل تحقيق المزيد من الحرية.
العلم والحريات العملية
(1) الحقيقة والحرية
من الشائع أن ينظر المفكرون إلى الحريات العملية - كحرية التعبير والتفكير وحرية الانتخاب، إلخ - على أنها غاية في ذاتها، فهم يتصورون أن هذه الحريات هدف ينبغي أن يسعى إليه الإنسان مهما تكن الظروف، ويعتقدون أن اكتساب الإنسان لها هو في ذاته ضمان لتحرره من حيث هو موجود متكامل.
على أنه يكفينا لكي نبين افتقار هذا الرأي إلى الصواب أن نشير إلى حقيقة واضحة، هي أن الحرية يمكن أن تكون أداة للظلم في حالة الضعفاء؛ فالحرية المطلقة حين تكون أساسا للعلاقة بين عمال ضعفاء محتاجين إلى العمل من أجل قوت يومهم، وبين أصحاب أعمال يمكنهم في أية لحظة أن يستبدلوا بهؤلاء العمال غيرهم، لا بد أن تؤدي في نهاية الأمر إلى زيادة مركز هؤلاء العمال ضعفا، وتنقلب إلى أداة لتأكيد عبوديتهم. وفي هذه الحالة تصبح القيود والضوابط التي تفرض على الحرية، أداة لتحقيق المزيد من الحرية لا لتقييدها.
অজানা পৃষ্ঠা